مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي: قام مقام الأنبياء ...

قام مقام الأنبياء ...



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :
 
فإن مما يزهدني في كتابة مقالات من هذا النوع كونها تحتاج إلى ضبط دقيق لكي لا يؤول الأمر إلى غلو أو جفاء وكلا الطرفين الغلاة والجفاة يأخذون بالمرء إلى حضيض من الإسفاف والشخصنة

مع ما نبغ في الناس من دعاوى التشكيك بالسنة النبوية واستعلاء الرافضة وكثرة الطعن في بعض أفراد من الصحابة والطعن في الإمام أحمد وقوة التيارات الليبرالية وحظو ذلك كله بدعم حكومي في عدد من البلدان تارة جلي وتارة خفي

ولكن لا بد من بيان لأمر بيناه مراراً ولكن الله سبحانه يحدث أموراً ويقدر المقادير لتستبين الأمور أكثر وأكثر

ووفاء لوعد قطعته لبعض أراذل الغلاة بأننا عندنا من الآثار عن السلف التي يعتبرونها بمنهجهم الغريب تمييعاً والتي لا يسلم أئمة السلف من التبديع عندهم إلا باعتذرات تقوم من باب أولى على من يشنعون عليه ممن تأخر عنهم واشتهر بنصرة التوحيد

قال الخطيب البغدادي في تاريخه أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الملك القرشي قَالَ: أخبرنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الرازي، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن أَحْمَد الفارسي، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن الفضيل وَهُوَ البلخي، قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد العابد، قَالَ: جاء كتاب من أسفل فِي كل مدينة يقرأ على المنابر وَمعه حرسيان، وَفيه مكتوب: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} وَكَانَ وَلي عهده صبيا، يعني الخليفة، قَالَ: فلما جاء الكتاب إِلَى بلخ ليقرأ، فسمع أَبُو مطيع، فقام فزعا وَدخل على وَالي بلخ، فَقَالَ له: بلغ من خطر الدنيا أنا نكفر بسببها؟ فكرر مرارا حتى أبكى الأمير، فَقَالَ الأمير لأبي مطيع: إني معك، وَإني عامل لا أجترئ بالكلام، وَلكن خليت الكورة إليك، وَكن مني آمنا، وَقل ما شئت.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو مطيع يومئذ قاضيا، قَالَ: فذهب الناس إِلَى الجمعة، وَقَالَ سلم بْن سالم: إني معك وَأبو معاذ معك يا أبا مطيع، قَالَ: فجاء سلم إِلَى الجمعة متقلدا بالسيف، قَالَ: فلما أذن ارتقى أَبُو مطيع إِلَى المنبر، فحمد اللَّه وَأثنى عَلَيْهِ، وَصلى على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأخذ بلحيته، فبكى، وَقَالَ: يا معشر المسلمين، بلغ من خطر الدنيا أن نجر إِلَى الكفر؟ من قَالَ: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} غير يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فهو كافر.
قَالَ: فرج أَهْل المسجد بالبكاء، وَقام الحرسيان فهربا أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الملك، قَالَ: أخبرنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الرازي، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن أَحْمَد الفارسي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فضيل، قَالَ: سمعت حاتما السقطي، قَالَ: سمعت ابْن المبارك، يقول: أَبُو مطيع له المنة على جميع أَهْل الدنيا.
قَالَ مُحَمَّد بْن فضيل وَقَالَ حاتم قَالَ مَالِك بْن أَنَس لرجل: من أين أنت؟ قَالَ من بلخ، قَالَ: قاضيكم أَبُو مطيع قام مقام الأنبياء

أقول : هذا إسناد قوي وحاتم هنا هو الأصم لأنه كان بلخياً وهذه طبقته والراوي عنه محمد بن الفضيل البلخي معروف بالرواية عن الزهاد والإسناد كله ثقات

كتبت هذا الشرح في أمر الإسناد حتى لا ينزل علي رد كله ( نطالب ) و ( نطالب ) ثم إذا بينت قال بعدها ( رددت عليه ) ! و ( أتحداه عشر سنين ) فليس هذا عشك فادرجي فأمر الإسناد أمر فيه عسر ويحتاج إلى فهم

وقد رأيناكم الأثر الذي يروقكم لا تدققون فيه ثم إذا ذكرنا لكم ثناءاً لابن عيينة على مسعر ثبت نظيره عنه صرتم تعللون الآثار بضعف الراوي المباشر عن ابن عيينة وما هذه طريقة المحدثين في الآثار وإنما ينظر فيما يستنكر لا فيما ثبت نظيره ولو قلبت الصفحة التي تليها لوجدت نظيره بأصح إسناد فاعجب ممن لم ينظر في مشاهير كتب أخبار السلف النظر الفاحص ثم هو همه افتراع منهج ينتهي إلى تضليل الأمة قرون وأن أمثلهم طريقة واقع في الكفر

ونعود إلى التعليق على الأثر أبو مطيع البلخي هذا صاحب رأي وهو مرجيء

قال الذهبي في الميزان :" 2181 - الحكم بن عبد الله، أبو مطيع البلخي الفقيه، صاحب أبي حنيفة، عن ابن عون، وهشام بن حسان.
وعنه أحمد بن منيع، وخلاد بن سالم الصفار، وجماعة.
تفقه به أهل تلك الديار، وكان يصيرا بالرأى علامة كبير الشأن، ولكنه واه في ضبط الاثر.
وكان ابن المبارك / يعظمه ويجله لدينه وعلمه.
قال ابن معين: ليس بشئ.
وقال -
مرة: ضعيف.
وقال البخاري: ضعيف صاحب رأى.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن الجوزي - في الضعفاء: الحكم بن عبد الله بن مسلمة أبو مطيع الخراساني القاضي يروي عن إبراهيم بن طهمان، وأبي حنيفة، ومالك.
قال أحمد: لا ينبغي أن يروى عنه شئ.
وقال أبو داود: تركوا حديثه، وكان جهميا.
وقال ابن عدي: هو بين الضعف، عامة ما يرويه لا يتابع علية.
وقال ابن حبان: كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها.
وقال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن أبي مطيع البلخي فقال: لا ينبغي أن يروي عنه.
حكوا عنه أنه يقول: الجنة والنار خلقتا فستفنيان.
وهذا كلام جهم"

ولهذا ليس له أي حديث في الكتب الستة

وقال العقيلي: كان مرجئا صالحا في الحديث إلا أن أهل السنة أمسكوا عن الرواية عنه.

فهذا المثال حسن في الرد على الغلاة والجفاة معاً أما كونه رداً على الجفاة فظاهر وأما كونه رداً على الغلاة فثناء مالك وابن المبارك عليه في موقف معين بثناء عظيم هذا الموقف لا يصدر إلا من الآحاد من الناس

يحمل على عدة محامل إما أنهم لم يعرفوا حاله وهذا بعيد فأما أمر التجهم فقد يخفى ولكنه كونه صاحب لأبي حنيفة ومرجيء فلا يخفى أبداً ومذهب القاضي في الفقه لا يخفى على أحد

وإما أنه ثناء مقيد عليه لهذه الحال فما شنع أحد من الأئمة على مالك أو ابن المبارك بمثل هذا وهو مقيد بحال

وإذا كان من وقف موقفاً واحداً كهذا قيل فيه قام مقام الأنبياء

فكيف بشخص وقف للجهمية والقبورية وأتباع ابن عربي وغيرهم وصنف عليهم ونصح لكل فئة فكان في كل مرة يسجن وربما صدرت التهديدات بقتله

أعني به ابن تيمية ولما نصح لنصر المنبجي في شأن ثنائه على ابن عربي أغرى المنبجي به الجاشنكير ببيربس والمنبجي كان أخص أصحاب بيبرس حتى سجنه

واعجب ممن ينظر إلى قصة هذه سياقها قام ابن تيمية بالإنكار على هؤلاء المبتدعة ورد عليهم ردوداً مفصلة فسجنوه فأرسل إليهم من السجن يخاطبهم ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه وفي بعض كلامه إغلاظ ثم إنه ألان الخطاب مع معهم تألفاً وقد قال عمر وشريح السجن إكراه !

فيترك هذا كله ويتمسك بكونه ألان الخطاب وأنه خاطب القبوري أو الجهمي كما يخاطب المسلم فهذا التمسك لا ينبغي أن يصنف مع الشبهات ولا مع الاستشكالات وإنما يصنف مع الإعاقات العقلية فكيف تترك هذا السياق المليء بنصرة الحق والمحن وتتمسك بلحظة ضعف أو تألف أو سياسة

وقد أرسلوا لابن تيمية في سجنه يسألونه اللين مع الخصوم فقال كلاماً جليلاً نقله محمد بن عبد الوهاب في مفيد المستفيد لجلالته

بل هذا عبد الله بن المبارك وهو العالم الذي جمع كل خير

قال عبد الرحمن بن مهدي :"  أَتَذْكُرُ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنَاقِبِهِ؟ ! مَا نَعْرِفُ لَهُ زَلَّةً بِأَرْضِ الْعِرَاقِ إِلا رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وَأَنِّي كُنْتُ أَفْتَدِي ذَلِكَ بِمُعْظَمِ مَالِي"

وذلك أن الرواية من حافظ متوسع كابن المبارك بمنزلة التزكية وقد ذكر أن ابن المبارك أطرى أبا حنيفة أمام الأوزاعي وقد رجع ابن المبارك وذم أبا حنيفة ليكون ذلك حجة على المبطلين والحمد لله رب العالمين

ولكن انظر إلى ابن مهدي لا يعلم برجوع ابن المبارك ومسحه ذكر أبي حنيفة من كتبه إنما عد الأمر زلة ومع علمه بالأمر عن ابن المبارك يعظمه ويطلب مراثيه فهو يعلم أن ابن المبارك ما كان صاحب رأي بل كان سنياً ومعظماً لأهل الحديث وراحلاً في جمعه مع زهد وعبادة وتقوى وجهاد وحسن تصنيف

ولو كان الغلاة أحياء آنذاك لربما جاءوا بمدح ابن المبارك المتقدم وأخذوا يشنعون عليه وربما حاققوه في ذمه فيقولوا لم يذمه بكذا وكذا وإنما فقط ذمه بالسيف أو ذمه بكذا

وقبل مدة كلمني شاب ممن سمع مدة لهؤلاء فقال لي ( هل الألباني كافر )؟

فقلت له كلاماً ثم قلت بعده : مثل هذا الإيقاف لم أجده عن السلف في حق أبي حنيفة ولا في حق عمرو بن عبيد بل نقل الساجي أو ابن الجارود أن الناس اختلفوا في إسلام أبي حنيفة وأحسب أن بعضهم لو كان في ذلك الزمن لكفر من لم يكفره فكل المسائل عنده على درجة واحدة من الوضوح

بل قلت هناك جهمية أقحاح الكل يعرف أنهم جهمية وكانوا يكتفون بكلمة جهمي

فما كان ابن المبارك ليسقط بمثل هذا الأمر ولا كان يحيى بن سعيد القطان ليسقط بالرواية عن عمرو بن عبيد وقد نوصح فيها حتى رجع

قال يعقوب في المعرفة والتاريخ (2/178) : قَالَ سَلَمَةُ: وَقُلْتُ لأحمد: طلبت عفان في منزلك فقالوا خَرَجَ، فَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنْهُ الْجِيرَانَ فَقَالُوا تَوَجَّهَ فِي هَذَا الْوَجْهِ. فَقُلْتُ أَمْضِي وَأَسْأَلُ عَنْهُ فَأُدَلُّ عَلَيْهِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مَقْبَرَةٍ وَإِذَا هو جالس يقرأ على قبر (50 ب) ابْنَةِ أَخِي ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ. فَنَزَلْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: سَوْءَةٌ لَكَ.
فَقَالَ: يَا هَذَا الْخُبْزَ الْخُبْزَ. فَقُلْتُ: لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَكَ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَحْمَدُ:
لَا يُحْتَاجُ إِلَى هَذَا لَا تَذْكُرَنَّ هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ فِي الْمِحْنَةِ  مَقَامًا مَحْمُودًا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ.

والذي كان من عفان أنه منع عطاؤه وكان بيته فيه أربعين نفساً فكيف بمن سجن على التوحيد في الصفات وفي الألوهية وأهدر دم أتباعه وضرب بعضهم حتى أدمي وقاموا بنفيه وهو مع ذلك يصنف التصانيف المطولة في الرد عليهم وكشف شبهاتهم لكل صغير وكبير

قال ابن رجب في فتح الباري :" قال الأوزاعي: ما اجتمع عليهِ علماء أهل الحجاز والشام والبصرة: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، وحين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إلا أهل الكوفة، فإنهم خالفوا في ذَلِكَ أئمتهم.
خرجه ابن جرير وغيره.
وقال البخاري في ((كتابه رفع اليدين)) بعد أن روى الآثار في المسألة:
فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه، إلا أهل الكوفة.
وروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي، أنه تناظر هوَ والثوري في هذه المسألة بمكة، وغضب واشتد غضبه، وقال للثوري: قم بنا إلى المقام نلتعن
أينا على الحق، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد رضي الله عنهما"

أقول مسألة رفع اليدين فيها خمسة عشر حديثاً صحيحاً غير الآثار ومع ذلك خالف سفيان الثوري رحمه الله لشبهة قامت عنده وهو فعل أصحاب ابن مسعود وقد رأيت شدة الأوزاعي عليه

وكل الناس يعلمون شدة اتباع الثوري وأنه رجع عن التشيع وعن النبيذ وكان مفارقاً للسلطان شديداً على أهل البدع فما سوى الناس بينه وبين أبي حنيفة في هذه المسألة لما علم عن أبي حنيفة من الاستهزاء بالسنن وسفيان على جلالته زل في هذه رضي الله عنه

فإن قيل : هذه مسألة فقهية ؟

فيقال سواء فقهية أم خبرية المعول على صحة الأخبار ووضوحوها ولو تكلم المرء في تثبيت خلافة علي لما وجد من الأحاديث ما يجده في مسألة رفع اليدين والمسح على الخفين

ولو كان الغلاة أحياء آنذاك لألزموا السلف بتبديع سفيان بل لربما جاءوا بأخبار سفيان بالرحلة التي هي مناقبه ليثلبوه بها ويحققوا أنه لا يخفى عليه مثل هذا ، بل لجاءوا بردود أهل الحديث على سفيان وقالوا ( فما حكم من يخالف هذا )؟

ولربما لم يزالوا بهم حتى يلقنوا أهل الرأي من الحجة ما عجزوا عنه ولربما حتى يبغضوا إلى الناس نشر السنة والرد على أهل الرأي لربطهم للأمر بالطعن في أئمة المحدثين

وقد غضب أحمد من كلام الكرابيسي في الأعمش والأعمش له زلات

وغضب ابن معين من كلام الفزاري في وكيع ووكيع له زلات

والسبب في ذلك أن هؤلاء لهم بلاء في الإسلام والسنة عظيم لا كشأن كثير من المعاصرين ممن جاء إلى أمر مستقيم وعوجه وصاروا علامة على صحة الرواية فيا قرة عين أهل الأهواء بمن يجمع زللهم

وفي الأزمنة المتأخرة صارت بعض الأسماء علامة على التوحيد والسنة على أنه لم يدع أحد لهم العصمة وهم أنفسهم جعلوا السلف حكماً عليهم وعلى غيرهم وقد يقول المرء كلمة الحق يوافق فيها بعض المنافقين ويخالف بعض الموحدين ولكن أن تقول الكلمة لا يوافقك عليها إلا الزنادقة العتق في رجل مات من سبع قرون فهذا الضلال

فالسقاف وسعيد فودة والكوثري وعبد الله الحبشي الهرري وروافض لا يحصون وكذا إباضية إضافة إلى الكثير من الليبراليين كلهم خصوا ابن تيمية بالثلب والتصنيف بل هناك من المسائل ما اشتركوا بها مع القوم كمسألة القول بفناء النار والتي لا تهمهم بشكل أساسي وإنما يهمهم إسقاط ابن تيمية فحسب فلا ينظر الشباب في كتبه فيتعلموا الرد عليهم 


والذي لا يعلمه كثيرون أن الطبري نسب القول بفناء النار لبعض السلف فهو سلف ابن تيمية وابن القيم في نسبة هذا ومثله عبد بن حميد
فقد ذكر الطبري تفسير قوله تعالى : ( ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك )
وذكر من حمل هذه الآية على الموحدين من أهل النار
ثم قال :" وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها
ذكر من قال ذلك:
18580- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، (إلا ما شاء ربك) ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.
18581- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا."
وذكر قولاً ثالثاً وهو التوقف عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ثم رجح قول من خصها بالموحدين كما هو قول عامة أهل السنة
فالطبري نفسه ادعى خلافاً في المسألة من الأوائل ونسب القول بالفناء لابن عباس وابن مسعود والشعبي

ولا يقولن شخص أن كتب السلف موجودة فلا شك أنها موجودة ولا يستغني عنها مسلم ولكن كما أن الشافعي أجاد في نقض شبهات أهل الرأي ما لم يجد غيره وبيان تناقضاتهم واستخرج من النصوص من الدلالة على بطلان أقوالهم ما خفي على كثيرين فانتفع به أئمة فضلاً عن غيرهم ، فكذا كان ابن تيمية مع أهل الكلام والقبورية وكثير منهم كلامه محدث ما كان على زمن السلف أو أنهم يأتون بكلام الجهمية الأوائل بغير ألفاظه مع سب الجهمية الأولى وتعظيم المحدثين فيخفى الأمر على فئام من الناس وينغمسوا في الضلال ، ثم ألا ترى إلى هؤلاء القوم أنفسهم يصنفون ويبينوا وجه مناقضة أقوال مخالفيهم لكلام السلف ويسعون في نشر كلامهم فكذا ما ندعيه في أئمة الدعوة وفي الشيخ على أننا لا ندعي العصمة وهم يعلمون جيداً أن طريقتنا الرد على كل قول يخالف مذهب السلف في التفسير أو الفقه أو الحديث فضلاص عن العقيدة أيا عن كان قائله

قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير 269 - أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ اللَّيْثِيُّ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ أَحْمَدَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ الْعَلَاءِ، يَقُولُ: " مَنَّ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعَةٍ فِي زَمَانِهِمْ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَجَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فِي الْقُرْآنِ، وَلَوْلَاهُ لَكَفَرَ النَّاسُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَتَفَقَّهَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدٍ: فَفَسَّرَ لَهُمْ غَرِيبَ الْحَدِيثِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ، لَاقْتَحَمَ النَّاسُ فِي الْخَطَأِ، وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ مُعِينٍ، فَنَفَى الْكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَّنَ الصَّادِقَ وَالْكَاذِبَ "

وهذا كلام من يعرف الفضل لأهله وقد قلت نحوها في ابن تيمية وابن عبد الوهاب فأنكر علي ولو لم يكن من الدلالة على نصرتهم للتوحيد سوى بغض كل مشرك وجهمي لهم على وجه الخصوص وثلب الموحدين بأنهم تيمية ووهابية لكان كافياً في الدلالة على مقامهم العظيم في نصرة التوحيد والسنة

ومن ضمن المحدثات في هذا العصر هذا النهج الذي ينتهجونه وكنت قد تكلمت عليهم في سلسلة تقويم المعاصرين الحلقة السادسة والحلقة التاسعة الجزء الثاني وغيرها

وليت أن الأمر وقف عند مجرد النقد بل وصل إلى التجني الظاهر ودعني أضرب لك أمثلة من شيء علق بذهني قديماً مما قرأتهم وإلا فأنا لا أقرأ لهم فذلك شيء يغيض حين ترى بعضهم يسرقك ويزيد بعض النقولات ويضع الأمر في سياقات مزعجة

1_ الرافضي في منهاج الكرامة هاجم كل من سوى الرافضة وصار يفتري عليهم الكذب بما فيهم المعتزلة فنسب لبعض المعتزلة قول لا يقول به عاقل فقال ابن تيمية في منهاج السنة :" وَقَدْ حُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ النُّظَّارِ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ (1) وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْأَعْرَاضِ فِي الْخَارِجِ، حَتَّى أَنْكَرُوا وُجُودَ الْحَرَكَةِ. وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَوْلُهُمْ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ (2) وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَصَمُّ - وَإِنْ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا - فَإِنَّهُ مِنْ فُضَلَاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَلَهُ تَفْسِيرٌ. وَمِنْ تَلَامِيذِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَلِإِبْرَاهِيمَ مُنَاظَرَاتٌ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. (1) وَفِي الْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّاسِ وَأَحَدِّهِمْ أَذْهَانًا، وَإِذَا ضَلُّوا فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَضِلُّوا فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى الصِّبْيَانِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْأَطِبَّاءَ وَأَهْلَ الْهَنْدَسَةِ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّاسِ، وَلَهُمْ عُلُومٌ صَحِيحَةٌ طِبِّيَّةٌ وَحِسَابِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ ضَلَّ مِنْهُمْ طَوَائِفُ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ، فَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَضِلُّوا فِي الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ فِي الطِّبِّ وَالْحِسَابِ. فَمَنْ حَكَى عَنْ مِثْلِ أَرِسْطُو أَوْ جَالِينُوسَ أَوْ غَيْرِهِمَا قَوْلًا فِي الطَّبِيعِيَّاتِ (1) ظَاهِرَ الْبُطْلَانِ، عُلِمَ أَنَّهُ غَلِطَ فِي النَّقْلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ.
بَلْ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِيُّ مَعَ إِلْحَادِهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَنُصْرَتِهِ لِقَوْلِ دِيمُقْرَاطِيسَ وَالْحَرْنَانِيِّينَ (2) الْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ - مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَضْعَفِ أَقْوَالِ الْعَالِمِ وَفِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، كَشَرْحِ الْأَصْبَهَانِيَّةِ وَالْكَلَامِ عَلَى مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ الْمُسَمَّاةُ بِالصَّفَدِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَالرَّجُلُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالطِّبِّ (3) حَتَّى قِيلَ لَهُ: جَالِينُوسُ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ ذَكَرَ عَنْهُ فِي الطِّبِّ قَوْلًا يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِمُبْتَدِئِ الْأَطِبَّاءِ، كَانَ غَالِطًا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ وَأَمْثَالُهُ لَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلثَّمَرَةِ طَعْمًا وَلَوْنًا وَرِيحًا، وَهَذَا مِنَ الْمُرَادِ بِالْأَعْرَاضِ فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْأَعْرَاضَ"

فهنا نسبوا لاثنين من المعتزلة قول لا يقول به إلا المجانين لما فيه من إنكار الحسيات فذكر ابن تيمية أن مثلهم لا يقول هذا ويبعد عنه مثله وعلل بأنه من الأذكياء والفضلاء بمعنى فضلاء المتكلمين وكلمة ( الناس ) تفهم في سياقها كقول الله عز وجل ( الذين لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم )

ثم إنهم قرنهم بكفار لا يشك بكفرهم ومع ذلك يبعد عنهم القول ببعض المقالات فجاء بعضهم واقتطع سياق الكلام اقتطاعاً سيئاً

ومنهاج السنة معظمه في الرد على المعتزلة وكلام الشيخ في أن مقالات المعتزلة كفرية لا يحصى عمره في تسفيه طريقة المتكلمين وترجيح طريقة السلف عليها

2_ قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى :" وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرْخِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ، عَنْ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، إلْزَامًا لِذَوِي الْبِدَعِ وَالْفُضُولِ " وَذَكَرَ اثْنَا عَشَرَ إمَامًا وَهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، قَالَ فِيهِ: سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ يَقُولُ: مَذْهَبِي
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْقُرْآنُ حَمَلَهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسْمُوعًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةُ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ نَحْنُ بِأَلْسِنَتِنَا، وَفِيمَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، وَمَا فِي صُدُورِنَا مَسْمُوعًا وَمَكْتُوبًا وَمَحْفُوظًا وَمَنْقُوشًا، وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ، كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَدِيدَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْبَاقِلَّانِيِّ وَأَصْحَابِ الْكَلَامِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلَمْ يَزَلْ الْأَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةُ يَأْنَفُونَ وَيَسْتَنْكِفُونَ أَنْ يَنْسُبُوا إلَى الْأَشْعَرِيِّ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِمَّا بَنَى الْأَشْعَرِيُّ مَذْهَبَهُ عَلَيْهِ، وَيَنْهَوْنَ أَصْحَابَهُمْ وَأَحْبَابَهُمْ عَنْ الْحَوْمِ حَوَالَيْهِ، عَلَى مَا سَمِعْت عِدَّةً مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ، مِنْهُمْ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمِنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ السَّاجِيُّ، يَقُولُونَ: سَمِعْنَا جَمَاعَةً مِنْ الْمَشَايِخِ الثِّقَاتِ قَالُوا: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ الْإسْفَرايِينِيّ إمَامُ الْأَئِمَّةِ الَّذِي طَبَّقَ الْأَرْضَ عِلْمًا وَأَصْحَابًا إذَا سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ قَطِيعَةِ الْكَرْخِ إلَى جَامِعِ الْمَنْصُورِ وَيَدْخُلُ الرِّيَاضَ الْمَعْرُوفَ بِالرَّوْزِي الْمُحَاذِي لِلْجَامِعِ وَيُقْبِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَ وَيَقُولُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، لَا كَمَا يَقُولُ الْبَاقِلَّانِيُّ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي جَمَاعَاتٍ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: حَتَّى يَنْتَشِرَ فِي النَّاسِ، وَفِي أَهْلِ الصَّلَاحِ وَيَشِيعَ الْخَبَرُ فِي الْبِلَادِ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ، يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ، وَبَرِيءٌ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ الْغُرَبَاءِ يَدْخُلُونَ عَلَى الْبَاقِلَّانِيِّ خُفْيَةً، فَيَقْرَءُونَ عَلَيْهِ فَيُفْتَنُونَ بِمَذْهَبِهِ فَإِذَا رَجَعُوا إلَى بِلَادِهِمْ أَظْهَرُوا بِدْعَتَهُمْ لَا مَحَالَةَ، فَيَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُمْ مِنِّي تَعَلَّمُوهُ، وَأَنَا قُلْته، وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ مَذْهَبِ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَعَقِيدَتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَسَمِعْت شَيْخِي الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ الْفَقِيهَ الْأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت شَيْخَنَا الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ الزَّاذَقَانِيَّ يَقُولُ: كُنْت فِي دَرْسِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ الدُّخُولِ عَلَى الْبَاقِلَّانِيِّ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ خُفْيَةً لِقِرَاءَةِ الْكَلَامِ، فَظَنَّ أَنِّي مَعَهُمْ وَمِنْهُمْ، وَذَكَرَ قِصَّةً قَالَ فِي آخِرِهَا: إنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، بَلَغَنِي أَنَّك تَدْخُلُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي الْبَاقِلَّانِيَّ فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الضَّلَالِ. وَإِلَّا فَلَا تَحْضُرْ مَجْلِسِي، فَقُلْت: أَنَا عَائِذٌ بِاَللَّهِ مِمَّا قِيلَ، وَتَائِبٌ إلَيْهِ، وَاشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي لَا أَدْخُلُ إلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْت الْفَقِيهَ الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ سَعْدَ بْنَ عَلِيٍّ الْعِجْلِيّ يَقُولُ: سَمِعْت عِدَّةً مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ بِبَغْدَادَ، أَظُنُّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَحَدَهُمْ، قَالُوا: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ يَخْرُجُ إلَى الْحَمَّامِ مُتَبَرْقِعًا خَوْفًا مِنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ كِتَابَةً مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ الْيَعْقُوبِيُّ عَنْ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ السُّلَمِيُّ، يَقُولُ: وَجَدْت أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبَا الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيَّ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبَا مَنْصُورٍ الْحَاكِمَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ. قَالَ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ أَبِي رَافِعٍ وَخَلْقًا يَذْكُرُونَ شِدَّةَ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَلَى الْبَاقِلَّانِيِّ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: وَمَعْرُوفٌ شِدَّةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ، حَتَّى مَيَّزَ أُصُولَ فِقْهِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أُصُولِ الْأَشْعَرِيِّ وَعَلَّقَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الزَّاذَقَانِيُّ، وَهُوَ عِنْدِي، وَبِهِ اقْتَدَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابَيْهِ اللُّمَعُ " وَالتَّبْصِرَةُ " حَتَّى لَوْ وَافَقَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَجْهًا لِأَصْحَابِنَا مُيِّزَ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ، وَلَمْ يَعُدَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اسْتَنْكَفُوا مِنْهُمْ وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَضْلًا عَنْ أُصُولِ الدِّينِ. قُلْت: أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَشَيْخُهُ أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيِّ وَشَيْخُهُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ هُمْ أَهْلُ الطَّرِيقَةِ الْمَرْوَزِيَّةِ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَأَئِمَّتُهَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَتْبَاعُهُ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِهِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَئِمَّةُ الطَّرِيقَةِ الْعِرَاقِيَّةِ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فِي مَنَاقِبِهِ، وَقَالَ: سَمِعْت خَالِي الْإِمَامَ أَبَا سَعِيدٍ يَعْنِي عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيَّ يَقُولُ: كَانَ أَئِمَّتُنَا فِي عَصْرِهِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْكَمَالَ وَالْفَضْلَ وَالْخِصَالَ الْحَمِيدَةَ، وَأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي عَصْرِهِ لَمَا كَانَ إلَّا هُوَ، مِنْ حُسْنِ طَرِيقَتِهِ، وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَدِيَانَتِهِ، فِي كَمَالِ فَضْلِهِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَافِرِ أَنَّهُ كَانَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ، قَالَ: وَلَهُ فِي الْفِقْهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةُ الْفَوَائِدِ، مِثْلُ: التَّبْصِرَةُ وَالتَّذْكِرَةُ " وَمُخْتَصَرُ الْمُخْتَصَرِ " وَلَهُ التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ فِي كُلِّ آيَةٍ.
وَأَمَّا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَهُوَ الشَّافِعِيُّ الثَّالِثُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَلَا بَعْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ مِثْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، حَتَّى ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ إنَّهُ أَنْظَرُ مِنْ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَتْ زِيَادَتُهُ لَكِنْ لَوْلَا بَرَاعَةُ أَبِي حَامِدٍ مَا قَالَ فِيهِ مِثْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحُسَيْنِ هَذَا الْقَوْلَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْرَفَ الْأَصْحَابِ بِمَنَاصِيصِ الشَّافِعِيِّ، وَأَعْظَمَهُمْ بَرَكَةً فِي مَذْهَبِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مِنْ كَثَّرَ شَرْحَ الْمُزَنِيّ وَشَحَنَهُ بِالْمُخْتَلِفِ وَالْمُؤْتَلِفِ، وَنَصَرَ فِيهِ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَهُ مَسَاغًا لِاجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ"

فها أنت ترى أن سياق الكلام كله في تكفير من يقول بخلق القرآن وأن الأشعرية كذلك وأن الباقلاني ضللوه ثم إن ابن تيمية بعد أن ذكر كلام أبي حامد الاسفرائيني في تضليل الباقلاني صار يذكر كلام أئمة الأشعرية في مدحه ليكون أقوى للحجة

فذكر ما قاله ابن عساكر في ترجمة أبي محمد الجويني حيث قرن مدح الجويني بمدح أبي حامد الاسفراييني الذي بدع الباقلاني ونسب للأشعرية القول بخلق القرآن فواضح من سياق الكلام أن ابن تيمية يلزمهم ويقول هذا مدحكم له فاقتطع بعضهم الكلام ليوهم الناس أن ابن تيمية يمدح أبا محمد الجويني ولو تأملت السياق لوجدت أنه ليس لذكر أبي محمد الجويني مناسبة سوى أنه ذكر أبو حامد الذي كل الكلام عنه في ترجمته

3_ نقل ابن تيمية في الانتصار لأهل الحديث الذي كله في تسفيه طريقة أهل الكلام وأهل الفلسفة كلاماً للعز بن عبد السلام أن من لعن الأشعرية حارت عليه وابن تيمية كان ينقله في سياق من دافع عن الأشعري ما استطاع أن يدافع عنه بأكثر من المسائل التي وافقت أهل الحديث مبيناً مسلكاً من مسالك المكر عند القوم

ثم إنه نعت العز بن عبد السلام بالتجهم وأنه يسلك طريقة الملاحدة

فقام بعضهم مقلداً للصابوني الأشعري ونقل كلام العز على أنه كلام ابن تيمية وقديماً فعل هذا الصابوني الأشعري فرد عليه سفر الحوالي وشكر له الناس هذا

4_ قال الحداد في كتابه حديث الافتراق :" و قول ابن تيمية في الاقتضاء بأنه لا ينبغي أن تتكلم فرق المسلمين بعضها في بعض لئلا يتشبهوا باليهود والنصارى !
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [البقرة:113]
قلت : و هذا فهم ساقط لهذه الآية و للشرع و إجماع أهل السنة !"

أقول : ختم هذا الكلام بعلامة تعجب هو المناسب !

فإنه لو صحت هذه الكلمة عن شيخ الإسلام فهو إمام الإخوان المسلمين في الدنيا !

وهذا كمن يقول لك أن جاراً لك من عقلاء جيرانك وفضلائهم خارج في الشارع عارياً وشهد الصلاة على هذه الحال ثم عاد إلى بيته وهو في عقله ولم يجن !

من يعرف جهاد شيخ الإسلام ابن تيمية ورده على كل فرق أهل الباطل وذمه لهم  يستبعد صدور هذا التقرير منه ، وقد سبق تدريس اقتضاء الصراط المستقيم وما أذكر هذا الموطن وقد بحثت وإليك كلام شيخ الإسلام في الاختلاف الذي في اقتضاء الصراط المستقيم

قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ص132 :" ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط ، وإما في الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدماء  وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط  .
وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث ، هو مما نهي  عنه في قوله سبحانه : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا }.
وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } ، وقوله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } وهو موافق لما رواه  مسلم  في صحيحه ، عن عامر بن سعد  بن أبي وقاص عن أبيه « أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه ، من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ، ثم انصرف إلينا فقال : " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة : سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنَة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها »
وروى  أيضا في صحيحه عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى  لي منها ، وأعطيت الكنزين : الأحمر والأبيض  وإني سألت ربي لأمتي : أن لا يهلكها بسنة  بعامة ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ، فيستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال : يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى  أنفسهم ، فيستبيح  بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال : من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا »  .
ورواه البرقاني  في صحيحه وزاد : « وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وحتى يعبد  فئام من أمتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ، ولا تزال  ، طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى ».

وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما  في الأمة ، وكان يحذر أمته  ؛ لينجو منه من شاء الله له السلامة ، كما روى النزال بن سبرة (، عن عبد الله بن مسعود قال : « سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها ، فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فعرفت في وجهه الكراهية ، وقال : " كلاكما محسن ، ولا تختلفوا ؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا » رواه مسلم  .
نهى النبي  صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد  كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق ؛ لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه ، وعلل ذلك : بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا .
ولهذا قال حذيفة لعثمان  : " أدرك هذه الأمة ، لا تختلف في الكتاب كما اختلف فيه الأمم  قبلهم "  لما رأى أهل الشام والعراق  يختلفون في حروف القرآن ، الاختلاف الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
فأفاد ذلك بشيئين : أحدهما : تحريم الاختلاف في مثل هذا .
والثاني : الاعتبار بمن كان قبلنا ، والحذر من مشابهتهم .
واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء ؛ تجده من هذا الضرب ، وهو : أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته ، أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر ، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه ، مخطئا في نفي حرف غيره ؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب ، لا في الإثبات ، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض ؛ لأن مضمون الضرب : الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان .
ومثل ذلك : ما رواه مسلم - أيضا - عن عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو  قال : « هجرت  إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فسمعأصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب ، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب »  .
فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم  بأن الاختلاف في الكتاب سبب  هلاك من كان قبلنا ، وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا ، وفي غيره نوعا  .
والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان :
أحدهما : يذم  الطائفتين جميعا ، كما في قوله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ }  فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف ، وكذلك قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }  وكذلك قوله : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } وقوله : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }  .
وكذلك وصف  اختلاف النصارى بقوله : { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }  .
ووصف  اختلاف اليهود بقوله : { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ }  وقال : { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }  .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق  على ثلاث وسبعين فرقة ؛ قال : « كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة »  ، وفي الرواية الأخرى : « من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ».
فبين : أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين ، إلا فرقة واحدة ، وهم أهل السنة والجماعة .
وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة : فساد النية ؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض ، ونحو ذلك ، فيجب  لذلك ذم قول غيرها ، أو فعله ، أو غلبته ليتميز عليه ، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب  أو بلد أو صداقة ، ونحو ذلك ، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة ، وما أكثر هذا من بني آدم ، وهذا ظلم .
ويكون سببه - تارة - جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه ، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر ، أو جهل  أحدهما بما مع الآخر من الحق : في الحكم ، أو في الدليل ، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا .
والجهل والظلم : هما أصل كل شر ، كما قال سبحانه : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا }  .

أما أنواعه : فهو  في الأصل قسمان : اختلاف تنوع  واختلاف تضاد .
واختلاف التنوع على وجوه : منه : ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا ، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وقال : « كلاكما محسن » .
ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، والتشهدات ، وصلاة الخوف ، وتكبيرات العيد ، وتكبيرات الجنازة ، إلى غير ذلك مما قد
 شرع  جميعه ، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل .
ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم  على شفع الإقامة وإيثارها ، ونحو ذلك ، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا المبلغ ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من  الهوى لأحدهذه الأنواع والإعراض عن الآخر  أو النهي عنه ، ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومنه : ما يكون كل من القولين هو في  معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان ، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود  ، وصيغ  الأدلة ، والتعبير عن المسميات ، وتقسيم الأحكام ، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم  يحمل على حمد  إحدى المقالتين وذم الأخرى .

ومنه ما يكون المعنيان غيرين  ، لكن لا يتنافيان ؛ فهذا قول صحيح ، وهذا قول صحيح  ، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر ، وهذا كثير في المنازعات جدا  .
ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ، ورجل  أو قوم قد سلكوا هذه الطريق ، وآخرون قد سلكوا الأخرى ، وكلاهما حسن في الدين .
ثم الجهل أو الظلم : يحمل على ذم إحدهما  أو تفضيلها بلا قصد صالح ، أو بلا علم ، أو بلا نية وبلا علم  .
وأما اختلاف التضاد فهو : القولان المتنافيان : إما في الأصول وإما في الفروع ، عند الجمهور الذين يقولون : " المصيب واحد " ، وإلا فمن قال : " كل مجتهد مصيب " فعنده : هو من باب اختلاف التنوع ، لا اختلاف التضاد فهذا الخطب فيه أشد ؛ لأن القولين يتنافيان ؛ لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه  حق ما ، أو معه دليل يقتضي حقا ما ، فيرد الحق في الأصل هذا  كله ، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض  ، كما كان الأول مبطلا في الأصل  ، كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة ، وغيرهم .
وأما أهل البدعة : فالأمر فيهم ظاهر وكما  رأيته لكثير من الفقهاء ، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه ، وكذلك رأيت الاختلاف كثيرا بين بعض المتفقهة ، وبعض المتصوفة ، وبين فرق  المتصوفة ، ونظائره كثيرة .
ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له  به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة : من النهي عن هذا وأشباهه ، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا ابتداء ، لكن نور على نور.
وهذا القسم - الذي سميناه : اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه ، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك  إذا لم يحصل بغي كما في قوله : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ }  .
وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون .
وكما في قوله : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ }{ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ }{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا }فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم .
وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم - يوم بني قريظة  -  لمن صلى العصر في وقتها ، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة.
وكما في قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ  فله أجر »  . . ونظائره كثيرة .
وإذا جعلت هذا  قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام  .
وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله : فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين ، وهم المؤمنون ، وذم فيه الأخرى ، كما في قوله تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ }  إلى قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ }{ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } 
فقوله : { وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى ، وكذلك قوله : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } إلى قوله  : { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }  مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه : " أنها نزلت في المقتتلين يوم بدر : علي  وحمزة  وعبيدة  ، والذين بارزوهم من قريش وهم : عتبة وشيبة والوليد  .
وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول  ، وكذلك آل إلى سفك الدماء ، واستباحة الأموال ، والعداوة والبغضاء ؛ لأن  إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها  من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك .
وكذلك جعل الله مصدره  البغي في قوله : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } ؛  لأن البغي : مجاوزة الحد .
وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة "

أقول : فهذا كلام شيخ الإسلام واضح جداً في أن الاختلاف نوعان اختلاف يكون فيه الطرفان مذمومين واختلاف يكون فيه طرف مذموم وآخر محمود

وحتى في اختلاف التنوع قد يكون هناك طرف مذموم إذا بغى على غيره

وهذا الكلام لا تثريب عليه البتة وكم من عائب قولا صحيحاً وآفته من الفهم السقيم

فالواجب الانصاف ومنهج ابن تيمية لا يؤخذ من كتب الحركيين الذين يجتزئون كلامه ويحملونه أكثر مما يحتمل

وإن من الغرور بمكان أن يعتقد المرء في شيخ الإسلام أنه خالف الكتاب والسنة والإجماع في مسألة جلية كهذه وهو الذي أدرك الصواب ووقف على محل الغلط

والحداد نفسه في هذا الكتاب رد على عبد الله الجديع كذبه على ابن تيمية في دعواه أنه لا يجوز تعيين فرقة على أنها من الفرق الهالكة

5_ رأيت بعضهم يقول رأينا في كتب ابن تيمية عدم تكفير منكر القدرة

ولو كان يحسن صياغة الكلام على طريقة أهل العلم لقال عدم تكفير الشاك في قدرة إذا كان مثله يجهل ذلك

قال ابن تيمية في الاستقامة :" كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرجل الَّذِي قَالَ إِذا أَنا مت فأحرقوني ثمَّ استحقوني ثمَّ ذروني فِي اليم فوَاللَّه لَئِن قدر الله على ليعذبني عذَابا لَا يعذبه أحدا من الْعَالمين فَقَالَ الله لَهُ مَا حملك على مَا فعلت قَالَ خشيتك فغفر لَهُ
فَهَذَا الرجل اعْتقد أَن الله لَا يقدر على جمعه إِذا فعل ذَلِك أَو شكّ وَأَنه لَا يَبْعَثهُ وكل من هذَيْن الاعتقادين كفر يكفر من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة لكنه كَانَ يجهل ذَلِك وَلم يبلغهُ الْعلم بِمَا يردهُ عَن جَهله وَكَانَ عِنْده إِيمَان بِاللَّه وبأمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فخاف من عِقَابه فغفر الله لَهُ بخشيته"

وقال كما في مجموع الفتاوى :" وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ خَصَائِصِهِ يَكُونُ كَافِرًا بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَسْمَعْ بِكَثِيرِ مِنْ فَضَائِلِهِ وَخَصَائِصِهِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ جَهِلَ بَعْضَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ يَكُونُ كَافِرًا إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَسْمَعْ كَثِيرًا مِمَّا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ"

وقد قال الشافعي رحمه الله كلمة نحوها حين قال لله أسماء وصفات من ردها بعد قيام الحجة كان كافراً

ولو كان القوم في زمن السلف لاتهموا الشافعي بالتناقض أو أنه يقول كلاماً ينتصر به المرجئة 

غير أن الشافعي قصد ضرباً معيناً من الصفات بدليل قوله في الرسالة العلم علمان ولا يفهم مذهبه حتى يجمع كلامه 

وقد قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل :" وأما أهل العلم والإيمان: فهم على نقيض هذه الحال، يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي أستفرغ به وسعه غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الحبرية، او المسائل العلمية، فإنه ليس كل ما كان معلوماً متيقناً لبعض الناس يجب أن يكون معلوماً متيقناً لغيره"

فاشترط للمغفرة أن يكون المرء قصده اتباع الكتاب والسنة واستفرغ جهده فلا يدخل بهذا أهل الكلام المقدمين للعقل على النقل

وقال الطبري في معالم في أصول الدين :" وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته لا يعذر بالجهل به أحدٌ بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسولٌ أولم يأته رسولٌ، عاين من الخلق غيره أو لم يعاين أحداً سوى نفسه.
ولله تعالى ذكره أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه به الخبر منه خلافه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حساً؛ فمعذورٌ بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكرة"

فقسم الصفات إلى ما هو ظاهر وخفي والخفي قابل للتجلية

وقد بينت في تقويم المعاصرين أن مسألة العلو من أجلى المسائل ولا يعذر فيها أحد بجهله وأن القول بخلق القرآن كفر ناقل عن الملة مطلقاً والتفصيل إنما ورد في اللفظية والواقفة في دخولهم في مسمى الجهمية وقد فصل في الجهمية المخلوقية ابن أبي عاصم صاحب السنة وهو مخالف لعامة السلف في ذلك ولكن ما شنع عليه أحد ولا جعلوه لا يكفر مطلقاً

وهو نفسه لا يفعل ككثير من المعاصرين ممن يغلق الباب بحجة التفريق بين الإطلاق والتعيين

وابن تيمية في موضوع القدرة يقول بظاهر حديث فما الذي يريده منه أن يحرف الحديث كما حرف هو حديث الطائفة المنصورة

وهذا الحديث تكلمت عليه في تعليقي على مفيد المستفيد وبينت أن هذا الرجل شاك في كمال القدرة ولو أنكر القدرة من أساسها لكن ككفرة البعثيين

وهذه نماذج وإلا فالأمر أوسع من هذا يعتبر بها الفاهم ، وقد كتبت في تحرير موقف ابن تيمية من أهل الرأي وفي تحرير موقفه من المرجئة ونقد رسالة موقف ابن تيمية من الأشاعرة بما يقضي على الأكاذيب وقد وصف أبو عبيد القاسم بن سلام المرجئة ب( الفقهاء ) و ( أهل الدين والورع ) وذلك في غير أهل الرأي منهم فاحتمل له هذا لأنه رد عليهم

قال ابن سعد في الطبقات أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
قِيلَ لابْنِ عُمَرَ زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْخَوَارِجِ وَالْخَشَبَيَّةِ: أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلاءِ وَمَعَ هَؤُلاءِ وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا؟ قَالَ فَقَالَ: مَنْ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ أَجَبْتُهُ. وَمَنْ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ أَجَبْتُهُ. وَمَنْ قَالَ حَيَّ عَلَى قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا.

فلو أخذنا هذا الأثر بعيداً عن الثابت عن ابن عمر في تأهبه لقتال الخوارج وثنائه على ابن الزبير بعد موته لفهمنا غلطاً وهذا لبيان أنه ينبغي جمع نصوص العالم لفهم مذهبه

وحقيقة هذه الطريقة _ أعني طريقة الغلاة _  أنها جهل واختزال للآثار بدأ الأمر ببعضهم لما فهم بعض مسائل السنة وغالبها من أبحاث لمعاصرين واستفادتهم من المعاصرين بينة لكل من قرأ لهم مع دعواهم خلاف ذلك وكان هذا ينبغي أن يورثهم التواضع

ثم لما اجتمع عليهم بعض الناس لما يظهرونه من مسائل السنة  تاقت النفوس مع سوء طوية إلى مزيد تميز عن الناس فاخترعوا محاققات عجيبة وبدأوا بالطعن في أناس كانوا ينكرون الطعن عليهم

فلما كتب كاتبهم ( دفع تعدي المدخلي على كتب السلف ) والكتاب لم يمر عليه ثلاثة أعوام فيما أظن وقد راجعه الحداد نفسه كان في الكتاب دعوى أن المدخلي يكذب في دعواه أن الحداد بدع ابن تيمية

ثم بعدها بقليل ظهر التبديع والحوم على التكفير فما الذي تغير وما الذي جد عندك من حال الرجل وأنت تكثر النقل عنه وإن كنت أعلم أن غالب ذلك بإحالات لا بقراءات خاصة  وما الذي جد عند الحداد الذي بلغ الستين من عمره وربما أكثر غير أن الأمر في حقيقته معاكسات واستسلام للخصومات مع دخائل سوء

وصاحبهم الذي عرض إما الموافقة أو المفارقة هو الآخر ما كان هذا مذهبه قبل عامين وإذا كنت بقيت ضالاً طوال عمرك مع سهولة العلم في عصرنا وأنت تطلب العلم من عشرين سنة _ معظمها قضيتها تعظم رؤوس المرجئة _  وربما أكثر في دعواك وما أصبته إلا قبل يسير وتردد عبارتك الرسوخ في العلم لا يأتي جملة واحدة مع أن نقدك على إجماع أهل السنة النبوية ردة عن الإسلام بالنسبة لمذهبك التكفير فالذي لا يكفر الجهمية بأعيانهم كافر فالأمر ليس رسوخاً من عدمه بل إسلام وكفر ، فإذا كانت الحال هذه وما علمت الإسلام الحق إلا قبل أعوام يسيرة مع طلبك للعلم وتيسره عليك أفلا ينبغي أن توسع باب العذر وقد علم أنه في آخر الزمان يأتي أقوام لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا زكاة وينجيهم الله وذلك أن في أزمنة الفترات يغتفر ما لا يغتفر في غيرها

وهذا كشأنهم مع الحجي الذي لما بلغهم أنه لا يزكيهم تربصوا له الدوائر ثم صاروا يأتون بالقديم والجديد ويأتون بأحوال له معروفة منذ زمن منذ كانوا يثنون عليه

وقد رأينا في مصر يوضع في الشارع الكتاب المقدس نور حياتي

وتمنع كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب

وكذا في الأردن وكردستان

ورأينا في مصر إعلاميين ومشايخ سوء يطعنون في الدين وفي ثوابته ويشككون بها ليل نهار وظهرت موجة إلحادية وموجة لإنكار السنة

وظهر كتاب ما بعد السلفية وما فيه وهذا في مصر وهناك بلايا أخر في العالم ككل ووالله المرء لا يجد وقتاً ليرد على شماطيط عدنان إبراهيم وحسن المالكي والمسعري الذين استغلوا قلة علم الناس مع ما يحظون به من دعم من بعض الحكومات

وما حرك ذلك ساكناً في عامة القوم بل لعل صاحبنا لا يحسن الرد عليهم كما أنه لم يحسن على تلميذه المفوض الذي طعن في الصحابة وفقط مادة تحضر له ويطلق التحديات عليها بل هو يعمل مع القوم في سياق واحد ، فحتى لما جاءوه بكلام للددو لم يهمه الأمر بل لا يستطيع الرد فذهب يجمع من كلام المعاصرين ما يشبهه ليكمل هجومه على المعاصرين

ويريدون للناس أن يتركوا ابن تيمية بتقريراته الدقيقة وأبحاثه النفيسة ويتجهون إليهم وأحدهم ما أطاق أن يكتب حلقات في العقيدة دون الاقتباس من بعض المعاصرين وآخر مخفي يختلف الناس على أقوال في مذاهبه وهو حي يرزق وثالث ذنب قضى عمره يرد على هذا ليدافع عن هذا ويغيض هذا وينكل بذاك وما سوى ذلك تكبيرة حارس

زد على هذا كله شوكة الروافض التي قويت جداً وصار يجتمع فيها اللسان والسنان وكل هؤلاء الزنادقة تراهم إذا تكلموا وطعنوا في أئمة الإسلام من السلف  ألحقوا بهم ابن تيمية وكفى بهذا شرفاً

ويكتب بعضهم ( عقيدة فلان ) و ( عقيدة فلان ) ولا يعلق بكبير شيء على أغلاطهم لأنه متكل على أن القراء يعرفون الأجوبة على هذه الشبهات من كتب ابن تيمية وغيره ممن يكفرهم ! ، بل إذا أردت أن تعرف مصادر أبحاثه فما عليك سوى التقليب قليلاً في الانترنت ومن هو خير منه من هؤلاء سرق كلام المقدسي في أن الناس اختلفوا في الحجاج ولم يكفر بعضهم بعضاً دون إحالة

ولسنا ضد نقد أحد لسبب شرعي ولكن البلاء في محاققات عجيبة وتجنيات وافتراءات

وقد ادعى الطبري على الشافعي أنه خالف الإجماع في كيت وكيت مسألة وبعضها ذكره في التفسير ، وقد يكون الطبري مصيباً في بعض نقده للشافعي غير أن الشافعي وإن كان أضيق رواية من الطبري إلا أنه له منة على المسلمين إذ كرس فصاحته وذكاءه التي لا نظير لها في خدمة السنة ولو شاء لأصاب بها دنيا أو جاهاً

والأئمة قبل الطبري كانوا إذا خالفوا الشافعي وردوا قوله لم ينسوا فضله وقد علم منه تحري السنة وبذل العمر في ذلك فما هو بجهمي ولا مرجيء ولا خارجي ولا قدري ولا صاحب رأي

وقد كان أحمد يرد على من هو أكبر من الشافعي بعض قوله وهو يعلم فضله

جاء في مسائل الكوسج :" [849-] قلت: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك؟
قال: " ما أرى [بأساً] أن يشق
قال الإمام أحمد: بئس والله ما قال فردَّدَ ذلك، سبحان الله بئس ما قال"

وتعظيم أحمد لسفيان معلوم ولكن هذا بخصوص هذه المسألة

وهنا إلحاق أخير يتعلق بالطبري وأبي حمزة السكري وكتاب الجامع في طلب العلم لسيد إمام

أما الطبري فقد قال في تفسيره :" وهذا القول من الله عز وجل ينبئ عن معنى قوله: (1) "وأنزل الفرقان" أنه معنِيٌّ به الفصل الذي هو حجة لأهل الحق على أهل الباطل. (2) لأنه عقب ذلك بقوله:"إن الذين كفروا بآيات الله"، يعني: إن الذين جحدوا ذلك الفصل والفرقانَ الذي أنزله فرقًا بين المحق والمبطل ="لهم عذاب شديدٌ"، وعيدٌ من الله لمن عاند الحقّ بعد وضوحه له، وخالف سبيلَ الهدى بعد قيام الحجة عليه"

واضح من هذا النص أنه يشترط قيام الحجة _ أو ما يقوم مقامه _ للعذاب الأخروي دون الاسم الدنيوي فهو ثابت في هؤلاء باتفاق وهذا يقارب تقرير ابن القيم في طريق الهجرتين

وهذا هو سبب تطلب القوم هذه الأيام لسقطاته العقدية إلا بعضهم ممن لم يفهم الأمر على وجهه وفعلاً الطبري له بعض الزلل خصوصاً في مسألة تفاضل آيات القرآن والقوم يأتون بكلام ابن تيمية لنقض كلامه !

وهذه منهجية عجيبة عندهم كلما احتج عليهم مخالف بكلمة لشخص صاروا يجمعون ما عنده من الأخطاء ولا أحد معصوم ولكن الشأن في أن يقول شخص قولاً ويشتهر ولا يشنع عليه أحد من السلف الذين عاصروه في هذا أو حتى يستفاد من كلام من تقدم بوجه جلي التشنيع عليه وإن قصر بعض أهل عصره معه

لا أن تأتي بمسائل أخر لا علاقة لها بمسألتنا وهذا الطبري مات قبل أكثر من ألف عام واليوم يبحث بعضهم وراءه والأمر كما قلنا في ابن تيمية وأئمة الدعوة ونظرائهم

وأما أبو حمزة السكري

فقال الترمذي في جامعه :" وَتَفْسِيرُ الجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ هُمْ أَهْلُ الفِقْهِ وَالعِلْمِ وَالحَدِيثِ، وسَمِعْت الجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الحَسَنِ، يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ: مَنِ الجَمَاعَةُ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قِيلَ لَهُ: قَدْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ: فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، قِيلَ لَهُ: قَدْ مَاتَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ جَمَاعَةٌ.
وَأَبُو حَمْزَةَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ عِنْدَنَا"

وهذا برهان براءة من قول المرجئة وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي ما يدل على هذا ، غير أن فعلاً على منهج القوم ينبغي أن يكون مرجئاً لأنني لا أعلم له كلاماً في أحد بعينه
وليس هذا تزهيداً في علم الجرح والتعديل ولكن الأئمة كان يهمهم العمل واتباع السنة كما ينبغي أكثر من مجرد الكلام في أهل الأهواء وإن كان لكل أهميته ، ولا أعلم أحداً من السلف بدع شخصاً يصرح بعقيدة تخالف عقيدة قوم معينين لمجرد أنه أثنى على بعضهم ثناءاً مقيداً بل أبو يوسف الكل يبرئه من التجهم من أن صاحبيه جهميان لإظهاره مخالفة عقيدة الجهمية جلياً غير أن من قارن المبتدعة استحق العقوبة إن لم يكن هذا علة وجه فيه تأول شرعي ومن كان مجهول الحال أخذ بقرينة المصاحبة

ومثل السكري من وجه محمد بن أسلم الطوسي وإن كان أكثر ردوداً على المخالفين عظموه لشدة اتباعه ، كما عظم ابن خزيمة مع زلاته لشدته على الجهمية ورده على المخالفين وتصريحه بتكفير الجهمية

وهذا يحيى بن معين أنفق حياته في السنة له لين مع أهل الرأي لا كغيره من المحدثين مع أنه جرح الشيباني وغيره وجرح أبا حنيفة بالتجهم مع ما ثبت عنه من الضيق ببعض كلام حماد بن سلمة في الرجل

قال الدروي في تاريخه 1766 - سَمِعت يحيى يَقُول أَسد بن عَمْرو لَا بَأْس بِهِ أنكر عينه وَهُوَ على الْقَضَاء فَأَعْطَاهُمْ القمطر وَقَالَ قد أنْكرت عَيْني لَا وَالله لَا أقضى لكم ثمَّ قَالَ يحيى رَحمَه الله

وأسد بن عمرو من أصحابه أبي حنيفة تركه أكثر المحدثين بل بعضهم اتهمه بالوضع

وأما كتاب سيد إمام الجامع في طلب العلم من أعجب ما ترى فمؤلفه واسع الاطلاع يترحم على الجهمية ويريد أن يغلط تفسير ابن عباس المشهور كفر دون كفر ويعارضه بمروي عن ابن مسعود لا يعارضه

وكل من يعرف منهج السلف في التسامح في الآثار يعلم جيداً أن أثر ابن عباس ثابت وهو بمعنى ( هي به كفر ) فكله على الكفر الأصغر كقوله ( اثنتان من أمر الجاهلية هما بهما كفر ) وقد ثبت عن تلاميذ ابن عباس هذا التفسير مما يقويه وحمله على الكفر الأصغر كل من محمد بن نصر المروزي والطبري وابن بطة

قال أبو داود في مسائله 1355 - سَمِعْتُ أَحْمَدَ، ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

1356 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ «لَيْسَ بِكُفْرٍ يُنْقَلُ عَنِ الْمِلَّةِ» .

1357 - ثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ» .

فأحمد يختار هذا التفسير ويرويه ويقول به وقد ثبت عنه في مسائل أخرى القول به جلياً

غير أن البلاء في القوانين الوضعية الموجودة الآن فهي لون آخر عن الذي تكلم عنه السلف

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" وَأَمَّا إذَا حَكَمَ حُكْمًا عَامًّا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا وَالسُّنَّةَ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةَ سُنَّةً وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا وَنَهَى عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَأَمَرَ بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ: فَهَذَا لَوْنٌ آخَرُ. يَحْكُمُ فِيهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهُ الْمُرْسَلِينَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}"

وعامة القوانين الموجودة الآن مستمدة من ملل كالديمقراطية والعلمانية وغيرها فالحاكم بها كافر

وسيد إمام تكلم على الألباني في الفقه والعقيدة والحديث بكلام معظمه صواب وأحسن فيه غير أنه لما تكلم على سيد قطب قال مع أنه مع أخطائه في العقيدة والفقه لا يستغنى عنه وهذا أمر عجيب

ثم إنه اجتهد اجتهاداً عظيماً في إثبات أن مطلق الجاسوسية للعدو كفر وأن فعل حاطب كفر وهذا أمر ناقشته وبينت أن ما يقوله الفقهاء في مسألة الجاسوس يناقض كلامهم غير أنه حام على تكفير مخالفه مما ضايق المقدسي منه

واجتهد أيضاً في إثبات كفر الطائفة الممتنعة وكلامه صواب غير أنه جعل المخالف مرجئاً مطلقاً وليس كذلك بل الشافعي ثبت عنه عدم تكفير الطائفة الممتنعة وكلامه في هذا في الأم

وقد قلت لبعض من يتعجل بالرمي بالإرجاء أن تكفير الطائفة الممتنعة أظهر من تكفير تارك الصلاة واتفاق الصحابة في هذا أظهر ومع ذلك ما أحد رمى الشافعي بالإرجاء لما كان عنده تأول أثري والمتعين خلاف قوله رحمه الله

وأما القوم المعاصرون فينطبق عليهم ما قال ابن تيمية :" وَكَانَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَفِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَنَاقِضِينَ حَيْثُ قَالُوا: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ لَا يَزُولُ بِزَوَالِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ"

بل القوم عندنا قال منهم القائل لا يزول بزوال كل الأعمال ! فهؤلاء لون آخر

والمرء لا يبصر الحق كما ينبغي حتى يترك تحزبات الناس ويقبل على السلف بكليته ويأخذ كلامهم ما وافق هواه وما خالفه

وأخيراً أنقل كلام ابن شيخ الحزاميين الذي كان صوفياً فهداه الله على يد شيخ الإسلام بحق وإن رغمت أنوف

حيث قال :" وَإِذا عَرَفْتُمْ قدر دين الله تَعَالَى الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعرفتم قدر حقائق الدّين الَّذِي يعبر عَنهُ بالنفوذ إِلَى الله تَعَالَى والحظوة بِقُرْبِهِ ثمَّ عَرَفْتُمْ اجْتِمَاع الْأَمريْنِ فِي شخص معِين ثمَّ عَرَفْتُمْ انحراف الْأمة عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَقيام الرجل الْمعِين الْجَامِع للظَّاهِر وَالْبَاطِن فِي وُجُوه المنحرفين بنصر الله تَعَالَى وَدينه وَيقوم معوجهم ويلم شعثهم وَيصْلح فاسدهم ثمَّ سَمِعْتُمْ بعد ذَلِك طعن طَاعن عَلَيْهِ من اصحابه أَو من غَيرهم فَإِنَّهُ لَا يخفى عَنْك محق هُوَ أَو مُبْطل إِن شَاءَ الله
وبرهان ذَلِك أَن المحق طَالب الْهدى وَالْحق بغرض عِنْد من أنكر عَلَيْهِ ذَلِك الْفِعْل الَّذِي أنكرهُ إِمَّا بِصِيغَة السُّؤَال أَو الِاسْتِفْهَام بالتلطف عَن ذَلِك النَّقْص الَّذِي رَآهُ فِيهِ أَو بلغه عَنهُ فَإِن وجد هُنَاكَ اجْتِهَادًا أَو رَأيا أَو حجَّة قنع بذلك وَأمْسك وَلم يفش ذَلِك إِلَى غَيره إِلَّا مَعَ إِقَامَة مَا بَينه من الِاجْتِهَاد أَو الرَّأْي أَو الْحجَّة ليسد الْخلَل بذلك فَمثل هَذَا يكون طَالب هدى محبا ناصحا يطْلب الْحق ويروم تَقْوِيم أستاذه عَن انحرافه بتعريفه وتفويضه كَمَا يروم أستاذه تقويمه كَمَا قَالَ بعض الْخُلَفَاء الرشدين وَلَا يحضرني اسْمه إِذا اعوججت فقوموني فَهَذَا حق وَاجِب بَين الْأُسْتَاذ والطالب فَإِن الْأُسْتَاذ يطْلب إِقَامَة الْحق على نَفسه ليقوم بِهِ ويتهم نَفسه أَحْيَانًا ويتعرف أَحْوَاله من غَيره مِمَّا عِنْده من النصفة وَطلب الْحق والحذر من الْبَاطِل كَمَا يطْلب المريد ذَلِك من شَيْخه من التَّقْوِيم وَإِصْلَاح الْفَاسِد من الْأَعْمَال والأقوال
وَمن براهين المحق أَن يكون عدلا فِي مدحه عدلا فِي ذمه لَا يحملهُ الْهوى عِنْد وجود المُرَاد على الإفراط فِي الْمَدْح ولايحمله الْهوى عِنْد تعذر الْمَقْصُود على نِسْيَان الْفَضَائِل والمناقب وتعديد المساوىء والمثالب
فالمحق فِي حالتي غَضَبه وَرضَاهُ ثَابت على مدح من مدحه وَأثْنى عَلَيْهِ ثَابت على ذمّ من ثلبه وَحط عَلَيْهِ
وَأما من عمل كراسة فِي عد مثالب هَذَا الرجل الْقَائِم بِهَذِهِ الصِّفَات الْكَامِلَة بَين أَصْنَاف هَذَا الْعَالم المنحرف فِي هَذَا الزَّمَان المظلم ثمَّ ذكر مَعَ ذَلِك شَيْئا من فضائله وَيعلم أَنه لَيْسَ الْمَقْصُود ذكر الْفَضَائِل بل الْمَقْصُود تِلْكَ المثالب ثمَّ أَخذ الكراسة يقْرؤهَا على أَصْحَابه وَاحِدًا وَاحِدًا فِي خلْوَة يُوقف بذلك هَمهمْ عَن شيخهم وَيُرِيهمْ قدحا فِيهِ فَإِنِّي أستخير الله تَعَالَى وأجتهد رَأْيِي فِي مثل هَذَا الرجل وَأَقُول انتصارا لمن ينصر دين الله بَين اعداء الله فِي رَأس السبعمائة فَإِن نصْرَة مثل هَذَا الرجل وَاجِبَة على كل مُؤمن كَمَا قَالَ ورقة بن نَوْفَل لَئِن أدركني يَوْمك لأنصرنك نصرا مؤزرا ثمَّ أسأَل الله تَعَالَى الْعِصْمَة فِيمَا أَقُول عَن تعدِي الْحُدُود والإخلاد إِلَى الْهوى
أَقُول مثل هَذَا وَلَا أعين الشَّخْص الْمَذْكُور بِعَيْنِه لَا يَخْلُو من أُمُور
أَحدهَا أَن يكون ذَا سنّ تغير رَأْيه لسنه لَا بِمَعْنى أَنه اضْطربَ بل بِمَعْنى أَن السن إِذا كبر يجْتَهد صَاحبه للحق ثمَّ يَضَعهُ فِي غير موَاضعه مثلا يجْتَهد أَن إِنْكَار الْمُنكر وَاجِب وَهَذَا مُنكر وَصَاحبه قد راج على النَّاس فَيجب عَليّ تَعْرِيف النَّاس مَا راج عَلَيْهِم وتغيب عَلَيْهِ الْمَفَاسِد فِي ذَلِك
فَمِنْهَا تخذيل الطّلبَة وهم مضطرون إِلَى محبَّة شيخهم ليأخذوا عَنهُ فَمَتَى تَغَيَّرت قُلُوبهم عَلَيْهِ وَرَأَوا فِيهِ نقصا حرمُوا فَوَائده الظَّاهِرَة والباطنة وَخيف عَلَيْهِم المقت من الله أَولا ثمَّ من الشَّيْخ ثَانِيًا
الْمفْسدَة الثَّانِيَة إِذا شعر أهل الْبدع الَّذين نَحن وَشَيخنَا قائمون اللَّيْل وَالنَّهَار بِالْجِهَادِ والتوجه فِي وُجُوههم لنصرة الْحق أَن فِي أَصْحَابنَا من ثلب رَئِيس الْقَوْم بِمثل هَذَا فَإِنَّهُم يتطرقون بذلك إِلَى الاشتفاءمن أهل الْحق ويجعلونه حجَّة لَهُم
الْمفْسدَة الثَّالِثَة تعديد المثالب فِي مُقَابلَة مَا يستغرفها وَيزِيد عَلَيْهَا بأضعاف كَثِيرَة من المناقب فَإِن ذَلِك ظلم وَجَهل
وَالْأَمر الثَّانِي من الْأُمُور الْمُوجبَة لذَلِك تغير حَاله وَقَلبه وَفَسَاد سلوكه بحسد كَانَ كامنا فِيهِ وَكَانَ يَكْتُمهُ بُرْهَة من الزَّمَان فَظهر ذَلِك الكمين فِي قالب صورته حق وَمَعْنَاهُ بَاطِل
فصل

وَفِي الْجُمْلَة أيدكم الله إِذا رَأَيْتُمْ طاعنا على صَاحبكُم فافتقدوه فِي عقله أَولا ثمَّ فِي فهمه ثمَّ فِي صدقه ثمَّ فِي سنه فَإِذا وجدْتُم الِاضْطِرَاب فِي عقله دلكم على جَهله بصاحبكم وَمَا يَقُول فِيهِ وَعنهُ وَمثله قلَّة الْفَهم وَمثله عدم الصدْق أَو قصوره لِأَن نُقْصَان الْفَهم يُؤَدِّي إِلَى نُقْصَان الصدْق بِحَسب مَا غَابَ عقله عَنهُ وَمثله الْعُلُوّ فِي السن فَإِنَّهُ يشيخ فِيهِ الرَّأْي وَالْعقل كَمَا تشيخ فِيهِ القوى الظَّاهِرَة الحسية فاتهموا مثل هَذَا الشَّخْص واحذروه وأعرضوا عَنهُ إِعْرَاض مداراة بِلَا جدل وَلَا خُصُومَة
وَصفَة الامتحان بِصِحَّة إِدْرَاك الشَّخْص وعقله وفهمه أَن تسألوه عَن مَسْأَلَة سلوكية أَو علمية فَإِذا أجَاب عَنْهَا فأوردوا على الْجَواب إشْكَالًا مُتَوَجها بتوجيه صَحِيح فَإِن رَأَيْتُمْ الرجل يروح يَمِينا وَشمَالًا وَيخرج عَن ذَلِك الْمَعْنى إِلَى معَان خَارِجَة وحكايات لَيست فِي الْمَعْنى حَتَّى ينسى رب الْمَسْأَلَة سُؤَاله حَيْثُ توهه عَنهُ بِكَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ فَمثل هَذَا لَا تعتمدوا على طعنه وَلَا على مدحه فَإِنَّهُ نَاقص الْفطْرَة كثير الخيال لَا يثبت على تحري المدارك العلمية وَلَا تنكروا مثل إِنْكَار هَذَا فَإِنَّهُ اشْتهر قيام ذِي الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله لَهُ اعْدِلْ فَإنَّك لم تعدل إِن هَذِه قسْمَة لم يرد بهَا وَجه الله تَعَالَى أَو نَحْو ذَلِك
فوقوع هَذَا وَأَمْثَاله من بعض معجزات الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ قَالَ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَكِن لما كَانُوا منحرفين عَن نهج الصَّوَاب فَكَذَلِك يكون فِي هَذِه الْأمة من يحذو حَذْو كل منحرف وجد فِي الْعَالم مُتَقَدما كَانَ أَو مُتَأَخِّرًا حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلوه
يَا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم أَيْن عقول هَؤُلَاءِ أعميت أَبْصَارهم وبصائرهم أَفلا يرَوْنَ مَا يشم الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا رَائِحَة الْإِسْلَام وَفِي هَذِه الخطة الضيقة من الظُّلُمَات من عُلَمَاء السوء والدعاة إِلَى الْبَاطِل وإقامته ودحض الْحق وَأَهله مَالا يحصر فِي كتاب ثمَّ إِن الله تَعَالَى قد رحم هَذِه الْأمة بِإِقَامَة رجل قوي الهمة ضَعِيف التَّرْكِيب قد فرق نَفسه وهمه فِي مصَالح الْعَالم وَإِصْلَاح فسادهم وَالْقِيَام بمهماتهم وحوائجحهم ضمن مَا هُوَ قَائِم بصدد الْبدع والضلالات وَتَحْصِيل مواد الْعلم النَّبَوِيّ الَّذِي يصلح بِهِ فَسَاد الْعَالم ويردهم إِلَى الدّين الأول الْعَتِيق جهد إِمْكَانه وَإِلَّا فَأَيْنَ حَقِيقَة الدّين الْعَتِيق فَهُوَ مَعَ هَذَا كُله قَائِم بجملة ذَلِك وَحده وَهُوَ مُنْفَرد بَين أهل زَمَانه قَلِيل ناصره كثير خاذله وحاسده والشامت فِيهِالنَّاس فِيهِ من الْعَمى والحيرة فِي الزَّمَان المظلم المدلهم الَّذِي قد ملكت فِيهِ الْكفَّار مُعظم الدُّنْيَا وَقد بقيت هَذِه الخطة الضيقة "

إلى آخر كلامه الجليل كذا كان لا المخفي الذي كتب في حديث الافتراق وتكلم على كل الفرق إلا القبورية !

وعندي مقطع صوتي للحداد يتكلم فيه عن حكم ساب الدين يقول بأنه أقل أحواله الفسق ثم يعلل بأنه قد لا يقصد سب دين الله تعالى وإنما دين المشتوم !

وهذا تفصيل بارد يتكلم به المعاصرين والأخذ به فتح باب شر عظيم لأن المرء يشتم أديان الناس ويريد دين الإسلام ثم إذا سئل قال قصدت كذا وكذا فهذا فتح باب للمنافقين على مصراعيه ولو صدرت من ابن تيمية لأقاموا الدنيا وما أقعدوها

والمقام يتسع لأكثر من هذا ولكنني ما أحب الإطالة في الكلام على هذا الأنموذج المخزي الذين ورثوا الخوارج في بعض أصولهم ونشتغل بما ينفعنا في أمر آخرتنا أعظم من نفع الكلام معهم وللباطل صولة ثم يتلاشى

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

. .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب | تركيب وتطوير عبد الله بن سليمان التميمي