مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي: تنزيل ابن تيمية زندقة أحمد للمتكلمين على علماء الأشعرية ...

تنزيل ابن تيمية زندقة أحمد للمتكلمين على علماء الأشعرية ...



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

قال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص213 أنبأنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر بن شاهين, قال: سمعت أبا الفتح محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز البغوي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت ابن زنجويه, يقول: سمعت أحمد بن حنبل, يقول: علماء المعتزلة زنادقة.

وهذا إسناد قوي

وقد نزل ابن تيمية هذه الكلمة على علماء الأشعرية

قال ابن تيمية في النبوات ص807 :" ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات؛ لكون المعجزات على أصلهم لا تدلّ على نبوة نبيّ. وليس عندهم في نفس الأمر معجزات، وإنما يقولون: المعجزات عِلمُ الصدق؛ لأنّها في نفس الأمر كذلك.
وهم صادقون في هذا، لكن على أصلهم ليست دليلاً على الصدق، ولا دليلَ على الصدق.
فآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارةً، وبالنظر أخرى.
وهم قد يقولون: إنّه يحصل العلم الضروري بأنّ الله صدّقه بها؛ وهي الطريقة التي سلكها أبو المعالي، والرازي، وغيرهما؛ وهي طريقة صحيحة في نفسها، لكن [تناقض] 6 بعض أصولهم.
فالقدح ليس في آيات الأنبياء، لكن في الأقوال الفاسدة التي تناقض ما هو معلوم بالضرورة عقلاً، وما هو أصل الإيمان شرعاً. ومن عرف تناقضهم في الاستدلال يعرف أن الآفة في فساد قولهم، لا في جهة صحة الدلالة؛ فقد يظهر بلسانه ما ليس في قلبه؛ كالمنافقين الذين يقولون: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.
ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة"

فتأمل ذكره لكلمة أحمد وهو ينقد كبار الأشعرية كأبي المعالي والغزالي والرازي

وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (8/485) :" وقد تبين في غير موضع أن هؤلاء المتكلمين الجهمية والمتفلسفة الدهرية ليس معهم أدلة عقلية تعارض القرآن وتقوم مقام القرآن فما سلكوه في إثبات الصانع وصفاته طرق فاسدة لا تغني عن أدلة القرآن العقلية الدالة على ذلك فضلاً عن أن تعارضها وهذا أحد ما يبين به فساد ما يذكرونه من تقديم مثل هذه الأدلة على دلالة القرآن عقليها وخبريها ولا ريب أن طريقهم فيه من النفاق والإلحاد والجهل ما يطول وصفه ولذلك قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره علماء الكلام زنادقة وكان الذين يشيرون إليهم خيراً من هذا وأمثاله وكذلك قال الشافعي لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام في الأحداث وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة والشافعي أشار إلى كلام حفص الفرد وأمثاله وكان على طريقة ضرار بن عمرو وأحمد أشار إلى كلام هذا وأمثاله فإنه كان أفضل من ناظر وأبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو من أتباع حسين النجار وكلام أولئك خير من كلام هؤلاء الذين جمعوا إلى تعطيل أولئك إلحاد الفلاسفة مع أن أولئك لم يظهروا كل ما في قلوبهم للأئمة فالجهمية لم تكن تظهر لهم لا داخل العالم ولا خارجه"

فتأمل قول ابن تيمية الذين زندقهم أحمد خير من الرازي وأمثاله فهذا ظاهر في قوله (وكان الذين يشيرون إليهم خيراً من هذا وأمثاله)

وتأمل تفضيله للمعتزلة الأوائل كحفص الفرد على الرازي وأمثاله

وقال في درء تعارض العقل والنقل وهو يرد على الرازي (1/178) :" ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان، بل يكون كما قال الأئمة: إن علماء الكلام زنادقة، وقالوا: قل أحد نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام، ومرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة"

وقال أيضاً في معرض رده على الرازي في الدرء (2/206) :" وإذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقاً لمثل هذا الكلام ازداد نفاقاً ورداً لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيماناً وعلماً بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: (قل أحد نظر في الكلام إلا تزندق وكان في قلبه غل على أهل الإسلام) بل قالوا: (علماء الكلام زنادقة) .
ولهذا قيل: إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام الباطل المحدث المخالف للشرع والعقل هو: ترتيب الأصول في تكذيب الرسول، ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول، ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علماً مقولاً وديناً مقبولاً، يردون به نصوص الكتاب والسنة، ويقولون: إن هذا هو الحق الذي يجب قبوله، دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية، ويتبعهم على ذلك من طوائف أهل العلم والدين ما لا يحصيه إلا الله: لاعتقادهم أن هؤلاء أحذق منهم وأعظم تحقيقاً، لميكمن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات، مع أن الكلام هنا لا يحتمل إلا الاختصار.

ومقصودنا بحكاية هذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد استوعب فيه جميع حجج النفاة، وبين فسادها"

وقال في شرح الأصبهانية :" ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة لكان البسط لي في هذا الموضع أولى من ذلك، فإن هذه المقامات تحتمل بسطا عظيما لكن نبهنا على مقدمات نافعة فإن أكثر أهل الكلام مقصرون في حجج الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدّا، كما أنهم كثيرا ما يخطئون فيما يذكرونه من المسائل، ومن لا يعرف الحقائق يظن أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين، والنهاية في دلائله ومسائله فيورثه ذلك مخالفة الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع، ويورثه استضعافا لكثير من أصولهم وشكّا فيما ذكروه من أصول الدين استرابة بل قد يروثه ترجيحا لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ومشركين ونحوهم حتى يبقى في الباطن منافقا زنديقا وفي الظاهر متكلما يذب عن النبوات.
ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال من السلف: علماء الكلام زنادقة، وما ارتدى أحد بالكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام لأنهم بنوا أمرهم على أصول فاسدة أوقعتهم في الضلال، وليس هذا موضع بسط هذا، وقد بسطناه في غير هذا الموضع"

وقال أيضاً كما في مجموع الفتاوى (4/96) :" وَإِذَا تَدَبَّرَ الْعَاقِلُ وَجَدَ الطَّوَائِفَ كُلَّهَا كُلَّمَا كَانَتْ الطَّائِفَةُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَقْرَبَ كَانَتْ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَعْرَفَ وَأَعْظَمَ عِنَايَةً وَإِذَا كَانَتْ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ أَبْعَدَ كَانَتْ عَنْهُمَا أَنْأَى حَتَّى تَجِدَ فِي أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ بَلْ رُبَّمَا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ آيَةٌ فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَرُبَّمَا قَالَ: لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَا وَتَكُونُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبُ وَمَا لَمْ يَبْلُغْنَا أَكْثَرُ. وَحَدَّثَنِي: ثِقَةٌ أَنَّهُ تَوَلَّى مَدْرَسَةَ مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ بِمِصْرِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ رَجُلٌ يُسَمَّى شَمْسَ الدِّينِ الأصبهاني شَيْخَ الأيكي فَأَعْطَوْهُ جُزْءًا مِنْ الرَّبْعَةِ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {المص} حَتَّى قِيلَ لَهُ: أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ صَادٌ.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْحُكُومَةَ الْعَادِلَةَ لِيَتَبَيَّنَ لَك أَنَّ الَّذِينَ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَيَعْدِلُونَ عَنْ مَذْهَبِهِمْ جَهَلَةٌ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ بِلَا رَيْبٍ"

وهو هنا يعني الأشاعرة بدليل ذكره للأصبهاني الشمس وهو أشعري معاصر لابن تيمية وتأمل جمعه بين وصفهم بالزندقة ووصفهم بالجهل مما يدل على أن الجهل ليس عذراً عنده بإطلاق

وليعلم أن ابن تيمية قرر بأن المعتزلة خير من الأشاعرة في باب الإيمان وفي باب القدر

قال ابن تيمية  كما الفتاوى الكبرى (6/ 639) :" وَأَيْضًا فَأَنْتُمْ فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ قَابَلْتُمْ الْمُعْتَزِلَةَ تَقَابُلَ التَّضَادِّ حَتَّى رَدَدْتُمْ بِدْعَتَهُمْ بِبِدَعٍ تَكَادُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا، بَلْ هِيَ مِنْ وَجْهٍ مِنْهَا وَمِنْ وَجْهٍ دُونَهَا، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ اسْمًا مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَقَالُوا: إنَّ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا، وَقَالُوا: إنَّ الْفُسَّاقَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ مُخَالِفُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَخِلَافُهُمْ فِي الْحُكْمِ لِلسَّلَفِ، وَأَنْتُمْ وَافَقْتُمْ الْجَهْمِيَّةَ فِي الْإِرْجَاءِ وَالْجَبْرِ فَقُلْتُمْ: الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ، وَهَذَا عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّة شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ. ثُمَّ إنَّكُمْ قُلْتُمْ: إنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ النَّارَ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَوَقَفْتُمْ وَشَكَكْتُمْ فِي نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ جُمْلَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَهَا مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَأُولَئِكَ قَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَهَا كُلُّ فَاسِقٍ، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ: لَا نَعْلَمُ هَلْ يَدْخُلُهَا فَاسِقٌ أَمْ لَا، فَتَقَابَلْتُمْ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ، وَقَوْلُكُمْ أَعْظَمُ بِدْعَةً مِنْ قَوْلِهِمْ، وَأَعْظَمُ مُخَالَفَةً لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ "

وصرح ابن تيمية بأن متأخري الأشاعرة لا يختلفون على المعتزلة

قال في شرح الأصبهانية :" فإن كثير من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة إذ صاروا واقفين في ذلك كما سننبه عليه «1».
وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف بل يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا الاعتقاد ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة يثبتون الرؤية ويقولون: القرآن غير مخلوق ويقولون: إن الله حي بحياة عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس في هذا الاعتقاد شيء من هذا الإثبات.
وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح وهو مشهور بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس ورأيت اعتقاده على هذا النمط ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الرؤية بل جعلها ممّا تأول وكان يميل إلى الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في القرآن ويرجح جانبهم، وحكى عنهم ذم وسب لأحمد بن حنبل وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول الفلاسفة القائلين بقدم العقول والنفوس وهو من جنس القول المضاف إلى ديمقراطيس"

وصاحب الأصبهاني المشهور بالعلم والحديث هو ابن دقيق العيد الذي يصدعون رؤوسنا بإمامته وقد صرح به الشيخ في موضع آخر فقال ( القشيري ) والقشيري الذي تتلمذ على الأصبهاني وكان معروفاً بالحديث هو ابن دقيق العيد
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

. .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب | تركيب وتطوير عبد الله بن سليمان التميمي