مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي: تقويم المعاصرين ( الحلقة السابعة عشر )

تقويم المعاصرين ( الحلقة السابعة عشر )



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :



فهذه هي الحلقة السابعة عشر في تقويم المعاصرين وبابها الفقه ، وقبل الشروع في الكلام على المسائل الفقهية لا بد من بيان أهم مظان الغلط عند المعاصرين في الجملة ثم بيان مراتبهم وأهمية علم الحلال والحرام وشرفه وضرورته للفرقة الناجية والطائفة المنصورة

ليعلم أن طريقة عموم المعاصرين المنتسبين للسلفية في هذا العصر في الفقه تتميز بعدة أمور

الأول : التزام أحكام الأحاديث الصحيحة المشهورة خصوصاً التي في الصحيحين

الثاني : الحث على الاتباع وتقديم النصوص على آراء الرجال بالجملة

الثالث : الانفتاح وعدم الانغلاق على مذهب واحد فحسب

وإن كان أمرهم ليكمل لولا ما اختلط بهذه الأمور من دخائل هي مظان منشأ الغلط وهي عدة أمور

الأولى : ضعف العناية بالمسائل الإجماعية التي لا تعتمد على أدلة صريحة جداً بل تكون مأخوذة من استدلال دقيق أو فتاوى صحابة لذا خالف فيها الظاهرية أو بعضهم أو يتوهم بعض الناس مخالفتها لأدلة صريحة أو استصحاب

وهذا أورث شذوذاً عريضاً وكثرة مخالفة لإجماعات منقولة

كمخالفة المنقول في نجاسة الدم ونجاسة الخمر ( وإن كان الإجماع هنا قد دخله ما دخله ) ونجاسة القيء ومس المصحف لغير الطاهر ونقض الوضوء من القيء وجواز صلاة التراويح بأكثر من أحد عشر ركعة ونقض الصوم بالاستمناء وزكاة عروض التجارة وحرمة الطواف على غير طهارة وإلزام من من جاء عليه رمضانان ولم يقض بالإطعام مع صومه وعدم عد الثالث من أيام التشريق يوماً للذبح وحرمة بيع المصاحف وبعض هذه المسائل فيها إجماعات قديمة وبعضها لم يخالف فيه حتى الظاهرية

الثانية : ضعف العناية بآثار الصحابة

وهذا أورث بعض الأقوال السابقة وأورث أيضاً أقوالاً أخرى كالقول بعدم اشتراط شاهدين لعقد النكاح والقول بأن طلاق الأمة كطلاق الحرة وأن عورة الأمة كعورة الحرة مطلقاً والقول بحرمة الأخذ من اللحية فيما زاد عن القبضة والقول بأن صلاة المغرب تعاد وأنها ليست وتر النهار والقول بعدم إسقاط الحدود في حال الحرب والقول بأن تارك الواجب في الحج ليس عليه دم بل وإنكار سجدات القرآن إلا الأربعة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحت عنه والقول ببدعية رفع اليدين في الجنائز والقول بجواز قراءة الجنب للقرآن والقول ببدعية الأذان العثماني مطلقاً والقول ببدعية قضاء صلاة العيد

والمخالفون في هذا الباب على أقسام

قسم لا يعتد بأقوال الصحابة مطلقاً ويصرح بعدم حجيتها وهؤلاء تأثروا بابن حزم صراحة كمقبل الوادعي وتلاميذه ككل وأظهرهم يحيى الحجوري

وهؤلاء يعظمون طريقة الأئمة في العلل ويرون أن كلام الإمام في العلل مقدم على القواعد لأنهم هم واضعوا القواعد ولو نظروا للصحابة في الفقه كما ينظرون لأئمة العلل لفقهوا كل الفقه

ثم إنهم لا يفرقون بين ما تواردت عليه آثار الصحابة وبين الأفراد ومقتضى النظر التفريق بين ما تواردت عليه آثار الصحابة فصارت مظنة انتشار فيكون إجماعاً سكوتياً من أقوى الإجماعات إذا مرت عليه عدة طبقات يصير قطعياً بلا مثنوية

وهذا أقوله تنزلاً وإلا فقول الصحابي حجة إن لم يخالفه نص بشكل قطعي أو يخالفه صحابي مثله

والحجوري لما قرأ إعلام الموقعين اعترف بقوة كلام ابن القيم في حجية قول الصحابي وأنه بمنزلة الإجماع السكوتي

بل إن الصحابي إذا تكلم بأمر خلاف القياس كان ذلك مظنة توقيف فإذا كنت تنزه الإمام من أئمة العلل أن يتكلم باستنكار خبر ثقة دون بينة فكيف لا تنزه صحابياً من الابتداع في الدين بغير بينة

وهذا الطرف متناقض فهم يأخذون بآثار الصحابة في قتل الساحر مع مخالفة عائشة للأكثر في ذلك ولذا ابن حزم لم يقل بقتله طرداً لأصوله الفاسدة

وهناك طرف آخر وهو طرف يقول بحجية قول الصحابي ومع ذلك يدفعها في مواطن هي أقوى من المواطن التي قبلها به في كثير من الأحيان

فهذا ابن عثيمين يقول بالأذان العثماني ويقول بآثار الصحابة في إلزام من فسد حجه بجماع قبل التحلل الأول بإتمام الحج وإلزامه ببدنه إن حج من قابل مع اعترافه بأن هذا القول خلاف القياس ، ويقول بإلزام الحاج بالدم لتركه نسكاً واجباً وهذا قول ابن عباس وعليه الأئمة

ثم نجده يخالف عموم الصحابة في قولهم بأن صلاة المغرب لا تعاد لأنها وتر النهار ويخالفهم في عدم عد اليوم الثالث من أيام التشريق يوم ذبح مع اعتبار الإمام أحمد هذا إجماعاً للصحابة والإجماع يخصص النص في قول عامة من يعتد به من أهل الأصول ، ولا يقول باشتراط الإشهاد للنكاح ولا بالاختلاف بين عورة الحرة وعورة الأمة ، ولا بإيجاب الإطعام زيادة على الصيام لمن فات عليه قضاء رمضان حتى دخل في رمضان آخر وقد قال الحجوري أنه قول ستة من الصحابة فيما أذكر  ، ولا بإلزام الحائض إذا طهرت في وقت العصر أن تصلي الظهر والعصر معاً وإذا طهرت في وقت العشاء أن تصلي المغرب والعشاء معاً وقد خالفه في هذا ابن باز والفوزان والجبرين وقالوا باتفاق الصحابة وخالف قول الصحابة في قضاء صلاة العيدين سواءً أربعاً كما فعل ابن مسعود أو اثنين كما فعل أنس

وهذه كلها خالف فيها المذهب والله المستعان

وأبعد من ابن عثيمين في هذا الألباني الذي قال بوجوب الأخذ من اللحية إذا زادت على القبضة لفعل ابن عمر وقال ببدعية رفع اليدين في صلاة الجنازة وصلاة ركعتين قبل السفر وتخصيص الجمعة لتقليم الأظفار وكلها فعلها ابن عمر أيضاً ! وبعضها أحسب أنه لا يعلم بثبوتها

وقد تكلمت كثيراً في مسألة حجية قول الصحابي وسأنقل هنا ما يحضر مع الكلام أيضاً عن فقه التابعي الكبير

قال الأخ سالم الشمري :" فهذا جمع لبعض آثار التابعين واحتجاجهم بآثار الصحابة وهو عبارة عن قراءة لما تم نشره من جهود أخينا عبدالله الخليفي وفقه الله
( والتعليقات بعد الآثار له وفقه الله ) :

1- قال ابن أبي شيبة في المصنف [25535] : حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى ، عَنْ بُرْدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ :
أَنَّهُ كَرِهَ الْخِضَابَ بِالْوَسْمَةِ وَقَالَ : خَضَّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ .
الخضاب بالوسمة هو الخضاب بالسواد وفيه الاحتجاج بآثار الصديق .


2- قال ابن سعد في الطبقات [9084] : أَخْبَرَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ :
كُنْتُ أَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ فِي صَحِيفَةٍ وَلَوْ عَلِمَ بِهَا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنِ الإِيلاَءِ فَقَالَ : أَتُرِيدُ أَنْ تَقُولَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ . قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ وَنَرْضَى بِقَوْلِكَ وَنَقْنَعُ . قَالَ : يَقُولُ فِي ذَلِكَ الأُمَرَاءُ .
فيه الاحتجاج بأقاويل الصحابة إن لم يوجد نص .


3- قال ابن أبي شيبة في المصنف [5788] : حَدَّثَنَا هُشَيْمُ ، عَنُ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ :
كُنْتُ مَعَهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَقَامَ عَطَاءٌ يُصَلِّي قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَعِيدٌ : أَنَ اجْلِسْ ، فَجَلَسَ عَطَاءٌ .
قَالَ : فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ : عَمَّنْ هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ؟
فَقَالَ : عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَصْحَابِهِ .
فيه الاستدلال بآثار الصحابة .


4- قال الدارمي في مسنده [487] : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر عن أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبحديث عمر فإني قد خشيت درس العلم وذهابه .
فيه أنه يرى أنه فعل عمر بن الخطاب سنة لذا أمر بكتابته .


5- قال عبد الرزاق في المصنف [2511] : عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :
قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَدْلَانِ عَنْدَكَ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ؟
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ ، قَالَ: فَإِنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يُكَبِّرَانِ هَذَا التَّكْبِيرَ .
في الاستدلال بفعل الصحابة على الترك ، والنهي عن البدع الإضافية .


6- قال يعقوب بن سفيان في المعرفة (1/316) : حدثنا أبو بكر ثنا سفيان قال: سمعت مالكاً يقول: قال الشعبي :
ما رأيت قوماً قط أكثر علماً ولا أعظم حلماً ولا أعف عن الدنيا من أصحاب عبد الله لولا ما سبقهم أصحاب محمد ما قدمنا عليهم أحداً .
وهذا يدل على أن المستقر عندهم أنه لا يأتي بعد الصحابة من هو أفضل منهم .


7- قال ابن أبي خيثمة في تاريخه [3838] : حَدَّثَنا أبي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابن إِسْحَاقَ، قَالَ : حدثني عَبْد الرَّحْمَن بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ... عَنْ أَبِيهِ قَالَ :
لَمَّا خَرَجْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَة فَصَحِبْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَحْفَظُ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهِلُّ حَتَّى نَزَلَ عَرَفَةَ .
فيه الاقتداء بأفعال الراشدين .


8- قال الطبري في تفسيره [11324] : حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين :
أن الخلفاء كانوا يتوضأون لكل صلاة .
أوردته من أجل احتجاج ابن سيرين بفعل الراشدين .


9- قال الدارمي في مسنده [140] : أخبرنا مخلد بن خالد بن مالك انا النضر بن شميل عن بن عون عن بن سيرين قال :
كانوا يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر .


10- قال عبد الله بن أحمد في العلل [1659] حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن إبراهيم قال :
كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا فإن اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه لأنه كان ألطف .
عبد الله هو ابن مسعود وعمر هو ابن الخطاب

11- قال ابن أبي شيبة في المصنف[22119] :حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمَّارٍ صَاحِبِ السَّابِرِيِّ ، قَالَ :
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُسْأَلُ عَنِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ؟ فَنَهَى عَنْهُ ، فَقَالَ : قَدْ كُنْت بِأَذْرَبِيجَانَ سِنِين أَوْ سَنَتَيْنِ تَرَاهُمْ يَفْعَلُونَهُ ، وَلاَ نَنْهَاهُمْ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : أَنْشُرُ بَذِّي عِنْدَ مَنْ لاَ يُرِيدُهُ ، كَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَنْهَى عَنْهُ.

فيه الاحتجاج بقول الصحابي

قال الدارمي في مسنده [162] : أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة عن عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل قال :
كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده بن شهاب قال قلت عليها صيام قال بن شهاب لا يكون اعتكاف إلا بصيام فقال له عمر بن عبد العزيز عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا قال فعن أبي بكر قال لا قال فعن عمر قال لا قال فعن عثمان قال لا قال عمر ما أرى عليها صياما فخرجت فوجدت طاوسا وعطاء بن أبي رباح فسألتهما فقال طاوس كان بن عباس لا يرى عليها صياما الا ان تجعله على نفسها قال وقال عطاء ذلك رأيي .

وفيه الاحتجاج بأقاويل الصحابة إن لم يوجد نص .


12- قال الدارمي في مسنده [487] :أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر عن أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ان اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وبحديث عمر فإني قد خشيت درس العلم وذهابه .

فيه أنه يرى أن فعل عمر بن الخطاب سنة لذا أمر بكتابته "

وقال الأخ أبو موسى الروسي :" الجزء في موقف الشافعي من حجية قول الصحابي




باب أقواله في القديم



قال الإمام الشافعي في الرسالة البغدادية: " وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل ، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم ، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين ، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا ، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا ، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به ، وآراؤهم لنا أحمد ، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ، و الله أعلم ، ومن أدركنا ممن أرضي أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا ، وقول بعضهم إن تفرقوا ، فهكذا نقول إذا اجتمعوا أخذنا باجتماعهم ، وإن قال واحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله ، فإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ولم نخرج من أقاويلهم كلهم

وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين مختلفين نظرت ، فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله أو أشبه بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت به ، لأن معه شيئا يقوى بمثله ليس مع الذي يخالفه مثله ، فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم أرجح عندنا من أحد ، لو خالفهم غير إمام

فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، أو علي رضي الله عنهم أحب إلي أن أقول به من قول غيرهم إن خالفهم ، من قبل أنهم أهل علم وحكام فإن اختلف الحكام استدللنا الكتاب والسنة في اختلافهم فصرنا إلى القول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة ، وقل ما يخلو اختلافهم من دلائل كتاب أو سنة ، وإن اختلف المفتون يعني من الصحابة بعد الأئمة بلا دلالة فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر ، فإن تكافؤوا نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا ، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله اجتماعا في شيء لا يختلفون فيه تبعناه ، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي : كتاب الله ، ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم القول لبعض أصحابه ، ثم اجتماع الفقهاء ، فإذا نزلت نازلة لم نجد فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار فليس السبيل في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي"

نقله البيهقي في المدخل ومناقب الشافعي وغير ذلك من كتبه

قال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص133 ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبُسْتِيُّ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ: " مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قُتِلَ، وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، هَلْ لِلأَكَابِرِ أَنْ يَقْتُلُوا دُونَ الأَصَاغِرِ؟ فَقَالَ: لا " فَقُلْتُ لَهُ: فَقَدْ قَتَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ابْنَ مُلْجَمٍ، وَلِعَلِيٍّ أَوْلادٌ صِغَارٌ؟ فَقَالَ: أَخْطَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ. فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا كَانَ جَوَابٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا اللَّفِظِ؟ ! قَالَ: وَهَجَرْتُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ" (إسناده صحيح)

وبشر إنما لقيه الشافعي في بغداد فتلحق تلك القصة بالقديم

قال الساجي في كتابه المناقب "حدثني محمد بن إسماعيل قال سمعت الحسين بن علي قال سمعت الشافعي يقول العشرة أشكال لهم أن يغير بعضهم على بعض والمهاجرون الأولون والأنصار أشكال لهم أن يغير بعضهم على بعض ومسلمة الفتح أشكال لهم أن يغير بعضهم على بعض فإذا ذهب أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فحرام على تابع إلا اتباع بإحسان حذوا بحذو" (إسناده صحيح من الساجي)

قال البيهقي في السنن الكبرى: حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ : أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ يَعْنِى الدِّينَوَرِىَّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفِرْيَابِىُّ قَالَ سَمِعْت الشَّافِعِىَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ بِمَكَّةَ يَقُولُ : سَلُونِى مَا شِئْتُمْ أُجِبْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَقُلْتُ لَهُ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ مَا تَقُولُ فِى الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ زُنْبُورًا؟ قَالَ : نَعَمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ »

وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أَمَرَ الْمُحْرِمَ بِقَتْلِ الزُّنْبُورِ" (سند القصة صحيح)

باب ما قاله في الجديد


قال الإمام ابن أبي حاتم: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَيُّهُمَا أَعْلَمُ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟، يَعْنِي: مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ
قُلْتُ: عَلَى الإِنْصَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، مَنْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي مَالِكًا قُلْتُ: فَمَنْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ صَاحِبُكُمْ.

قُلْتُ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، مَنْ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: صَاحِبُكُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ: فَلَمْ يَبْقَ إِلا الْقِيَاسُ، وَالْقِيَاسُ لا يَكُونُ إِلا عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الأُصُولَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يِقِيسُ؟!" (إسناد المناظرة صحيح)

فجعل الشافعي أقاويل الصحابة أصلا يقاس عليه

وإن قيل إنما لقي محمد بن الحسن ببغداد يقال: وإن كان ذلك كذلك فمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما من رواة هذه المناظرة إنما سمعوا من الإمام الشافعي بمصر فدلت روايته مناظرته تلك على وجه الإقرار على أنه بقي على تلك المذهب بمصر فحرص الشافعي على عدم نشر أقواله القديمة التي تراجع عنها معروف جدا حتى أنه أمر بإحراق كتبه البغدادية القديمة

وقال ابن أبي حاتم: "أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا أَبِي، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: " قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ يَوْمًا، وَذَكَرَ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِنَا أَنْ يَسْكُتَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ، وَلا لِصَاحِبِكُمْ أَنْ يُفْتِيَ يُرِيدُ مَالِكًا، قُلْتُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَنَا يَعْنِي مَالِكًا كَانَ عَالِمًا بِكِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ "

قُلْتُ: فَنَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَنَا كَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَانَ عَالِمًا بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَكَانَ عَاقِلا؟ قَالَ: لا.
قُلْتُ: فَنَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ، كَانَ جَاهِلا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَانَ جَاهِلا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاهِلا بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟، قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَكَانَ عَاقِلا؟، قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَتَجْتَمِعُ فِي صَاحِبِنَا ثَلاثٌ لا تَصْلُحُ الْفُتْيَا إِلا بِهَا، وَيُخِلُّ وَاحِدَةً، وَيُخْطِئُ صَاحِبُكَ ثَلاثًا، وَيَكُونُ فِيهِ وَاحِدَةٌ، فَتَقُولَ: لا يَنْبَغِي لِصَاحِبِكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلا لِصَاحِبِنَا أَنْ يَسْكُتَ؟!" (إسناد المناظرة صحيح)

فجعل الشافعي رحمه الله الجهل بأقوال الصحابة مانعا من جواز الفتيا فتأمل

قال ابن كثير في مناقب الشافعي ص173: "قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم محمد بن يعقوب ، عن الربيع عن الشافعي أن قال :" الأصل كتاب الله ، أو سنة ، أو إجماع الناس ، أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهذا من أدل الدليل على مذهبه أن قول الصحابي حجة ، وهو الذي عول عليه البيهقي وغيره من الأصحاب

وزعم الأكثرون منهم : الشيخ أبو حامد الاسفراييني أنه رجع عن هذا في الجديد " انتهى كلام ابن كثير وإسناد الأثر صحيح

وربيع إنما سمع عنه بمصر فهذا يؤكد أنه لم يغير مذهبه رحمه الله

قال الإمام الشافعي في الأم 2/29 في رده على أهل الرأي في مسألة الزكاة من أموال اليتيم: ""إنَّمَا الْحُجَّةُ في كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو أَثَرٍ عن بَعْضِ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو قَوْلِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لم يَخْتَلِفُوا فيه أو قِيَاسٍ دَاخِلٍ في مَعْنَى بَعْضِ هذا.." فتكلم بكلام ثم قال: "أَصْلَ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِك من أَنَّا لَا نُخَالِفُ الْوَاحِدَ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُ غَيْرُهُ منهم"

فهل من نص أبين من هذا؟

وقال الشافعي في الأم (7/235) في الرد على أهل المدينة في باب القضاء في الضرس والترقوة والضلع : "وَخَالَفْتُمْ عُمَرَ في التَّرْقُوَةِ وَالضِّلْعِ فَقُلْتُمْ ليس فِيهِمَا شَيْءٌ مُوَقَّتٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وأنا أَقُولُ بِقَوْلِ عُمَرَ فِيهِمَا مَعًا لِأَنَّهُ لم يُخَالِفْهُ وَاحِدٌ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا علمته فلم أَرَ أَنْ أَذْهَبَ إلَى رَأْيِي وَأُخَالِفَهُ"

وقال الإمام الشافعي في الرسالة الجديدة: " إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع ، أو كان أصح في القياس ، وإذا قال الواحد منهم القول لا نحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلافا ، صرت إلى اتباع قول واحدهم ، إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس"

فهذا النص فهم منه بعضهم أنه يدل على تقديم القياس على قول الصحابي وليس كذلك بل يجب جمع نصوص الإمام التأصيلية وتصرفاته في كتبه

والشافعي نفسه قائل في رسالته الجديدة: "وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والاجماعوالآثار وما وصفت من القياس عليها" فجعل الآثار أصلا مقيسا عليه

وقال في الكتاب الاختلاف مع مالك وهو من كتبه الجديدة في الأم (7/265) " « ما كان الكتاب أو السنة موجودين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا باتباعهما ، فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو واحدهم ، ثم كان قول الأئمة : أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، » إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة ، فنتبع القول الذي معه الدلالة لأن قول الإمام مشهور ما يلزم الناس ، ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو النفر ، وقد يأخذ بفتياه ويدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ، ولا يعنى العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام ، وقد وجدنا الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا ، وأن يقولوا فيه ويقولون ، فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم في حالاتهم ، فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين في موضع الأمانة أخذنا بقولهم وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم.

وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ شَتَّى الْأُولَى الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إذَا ثَبَتَتْ السُّنَّةُ ثُمَّ الثَّانِيَةُ الْإِجْمَاعُ فِيمَا ليس فيه كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا نَعْلَمُ له مُخَالِفًا منهم وَالرَّابِعَةُ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في ذلك الْخَامِسَةُ الْقِيَاسُ على بَعْضِ الطَّبَقَاتِ وَلَا يُصَارُ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ من أَعْلَى وَبَعْضُ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ خِلَافُ هذا ذَهَبْت إلَى أَخْذِ الْعِلْمِ من أَسْفَلَ"هـ

قال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه "ثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى نَفْسُهُ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " إِذَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ، يُنْظَرُ إِلَى مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيُؤْخَذُ بِهِ

ثَنا أَبِي، ثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَإِذَا اخْتَلَفُوا يَعْنِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نُظِرَ أَتْبَعَهُمُ لِلْقِيَاسِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُمْ، اتُّبِعَ أَتْبَعُهُمْ لِلْقِيَاسِ " قَدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي ثَلاثِ مَسَائِلَ: الْقِيَاسُ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ، وَبِقَوْلِهِ آخُذُ" (إسناد الأثرين صحيح)

قال ربيع بن سليمان في الأم (7/246): " سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عن السُّجُودِ في سُورَةِ الْحَجِّ فقال فيها سَجْدَتَانِ فَقُلْت وما الْحُجَّةُ في ذلك فقال أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا من أَهْلِ مِصْرَ أخبره أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ سَجَدَ في سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قال إنَّ هذه السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ عن الزُّهْرِيِّ عن عبد اللَّهِ بن ثَعْلَبَةَ بن صَغِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ صلى بِهِمْ بِالْجَابِيَةِ بِسُورَةِ الْحَجِّ فَسَجَدَ فيها سَجْدَتَيْنِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا لَا نَسْجُدُ فيها إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقَدْ خَالَفْتُمْ ما رَوَيْتُمْ عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ مَعًا إلَى غَيْرِ قَوْلِ أَحَدٍ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ قَوْلَ عُمَرَ وَحْدَهُ حُجَّةً وبن عُمَرَ وَحْدَهُ حُجَّةً حتى تَرُدُّوا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّنَّةَ وَتَبْنُونَ عَلَيْهِمَا عَدَدًا من الْفِقْهِ ثُمَّ تَخْرُجُونَ من قَوْلِهِمَا لِرَأْيِ أَنْفُسِكُمْ"

قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 4/121: " وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة حجة يجب المصير إليه فقال المحدثات من الامور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أوسنة أوإجماعا أوأثرا فهذه البدعة الضلالة والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة "

قال الشافعي في الأم 7/233 في كتاب الاختلاف مع مالك: " أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ يَعْقِلُ شيئا من الْفِقْهِ أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَ عُمَرَ وَلَا يَعْلَمُ له مُخَالِفًا من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِرَأْيِ نَفْسِهِ أو مِثْلِهِ"

قال الإمام ابن القيم بعد نقله بعض ما سبق: " فهذا كلام الشافعي رحمه الله ورضى عنه بنصه ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه
وقد قال في الجديد في قتل الراهب إنه القياس عنده ولكن أتركه لقول أبي بكر الصديق رضى الله عنه
فقد أخبرنا انه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل
وقال في الضلع بعير "قلته تقليدا لعمر"
وقال في موضع آخر "قلته تقليدا لعثمان"
وقال في الفرائض "هذا مذهب تلقيناه عن زيد"
ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه وتظن انها تنفي كون قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة فهذا اصطلاح حادث وقد صرح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال "قلت هذا تقليدا للخبر" هـ

وقال في عتق أمهات الْأَوْلَاد في الأم (6/101) "ما قُلْنَا فيها وهو تَقْلِيدٌ لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه"

وقال الشافعي في الديات كما في الأم 6/105: "وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى في الْمُعَاهَدِ يُقْتَلُ خَطَأً بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَى أَهْلِهِ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مع ما فَرَّقَ اللَّهُ عز وجل بين الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فلم يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ على قَاتِلِ الْكَافِرِ إلَّا بِدِيَةٍ وَلَا أَنْ يُنْقَصَ منها إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ فَقَضَى عُمَرُ بن الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بن عَفَّانَ رضي اللَّهُ عنهما في دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَقَضَى عُمَرُ في دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ كان يقول تُقَوَّمُ الدِّيَةُ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ولم نَعْلَمْ أَحَدًا قال في دِيَاتِهِمْ أَقَلَّ من هذا وقد قِيلَ إنَّ دِيَاتِهِمْ أَكْثَرُ من هذا فَأَلْزَمْنَا قَاتِلَ كل وَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ الْأَقَلَّ مِمَّا اُجْتُمِعَ عليه فَمَنْ قَتَلَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا خَطَأً وَلِلْمَقْتُولِ ذِمَّةٌ بِأَمَانٍ إلَى مُدَّةٍ أو ذِمَّةٌ بِإِعْطَاءِ جِزْيَةٍ أو أَمَانِ سَاعَةٍ فَقَتَلَهُ في وَقْتِ أَمَانِهِ من الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ من الْإِبِلِ وَثُلُثٌ وَمَنْ قَتَلَ مَجُوسِيًّا أو وَثَنِيًّا له أَمَانٌ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ مُسْلِمٍ"

قال الشافعي في الاختلاف مع مالك (الأم 7/168): " قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا عَبَّادٌ عن عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عن قَزْعَةَ عن عَلِيٍّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه أَنَّهُ صلى في زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ في أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ في رَكْعَةٍ وَرَكْعَةٍ وَسَجْدَتَيْنِ في رَكْعَةٍ وَلَسْنَا نَقُولُ بهذا نَقُولُ لَا يصلى في شَيْءٍ من الْآيَاتِ إلَّا في كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَوْ ثَبَتَ هذا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا عن عَلِيٍّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه لَقُلْنَا بِهِ"

وقال الشافعي في بعض مناظراته كما في الأم (4/152): "( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ عَدَدْت عليه ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَضِيَّةً لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ لم يُخَالِفْهُ فيها غَيْرُهُ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحَدِيثٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ نَأْخُذُ بها نَحْنُ.."

قال الشافعي في الأم (2/193): " بَابٌ في الْيَرْبُوعِ
أخبرنا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه قَضَى في الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ
أخبرنا سُفْيَانُ عن عبدالكريم الْجَزَرِيِّ عن أبي عُبَيْدَةَ بن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ أخبرنا سَعِيدٌ عن الرَّبِيعِ بن صُبَيْحٍ عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ أَنَّهُ قال في الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ"


العلماء الذين قرروا بالدليل والتدليل أن مذهب الإمام الشافعي الجديد حجية قول الصحابة




1. الإمام أبو بكر بن المنذر وهو من كبار متقدمي الشافعية

قال في الإشراف 6/121: "وقال مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: البيع فاسد
قال أبو بكر: وهم يرون تقليد الواحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا يخالفه منهم غيره"



2. أبو بكر البيهقي الأشعري في المدخل إلى السنن الكبرى ومعرفة السنن والآثار وغير ذلك من كتبه

والبيهقي محقق كبير فيما لم تؤثِر عليه نزعته الكلامية فهو من هو في الرواية والاطلاع على أقوال الإمام الشافعي والمنافحة عنها

3. الحافظ ابن كثير كما في مناقب الشافعي ص173

4. شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قال في تنبيه الرجل العاقل 2/561: "وهو أَحَدُ قولي الشافعي ويقال إنه القول القديم وفي ذلك نظر لأن في كتابه الجديد ما يدلُّ على أنه احتج به لكن أكثر ما يحتج في الجديد بأقوال الصحابة يعضده بضروبٍ من الأَقْيسة وقد روى الربيعُ عنه أنه قال المُحْدَثات من الأمور ضربان أحدهما ما أُحْدِث يخالف كتابًا أو سُنة أو إجماعًا أو أثرًا فهذه البدعة الضلالة والربيعُ إنما أخذَ عنه بمصر وقد جعل مخالفةَ الأثر الذي ليس بإجماع ضلالة"

5. ابن الصباغ الشافعي (ت. 477 ه.) قال كما في البحر المحيط: "إنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ عُثْمَانَ في الْجَدِيدِ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ إذَا لم يَنْتَشِرْ ولم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ كان حُجَّةً "

وكثير من الشافعيين الآخرين قرروا ذلك ولله الحمد وتركت ذكر أسماء بعضهم رغبة عنهم لأشعريتهم

وهذا ما تيسر لي جمعه وأنا في هذا البحث عيال على الشيخ أبي جعفر الخليفي وغيره واستفدت منهم نقولات كثيرة ثم بحثت بنفسي وأضفت ما تيسر لي الوقوف عليه

ومن كان له زيادة أو استدراك فليتفضل بإرساله في التعليقات

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"

ثم زاد :" أقوال الإمام الشافعي من مختصر البويطي وهو من كتبه الأخيرة المعتمدة

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "ومتشابه لا يحل لأحد تفسيره إلا بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خبر عن أصحابه"

قال الإمام الشافعي: "وإذا اجتهد العالم في الشيء النازل الذي ليس فيه نص كتاب ولا سنة ولا قول لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له أن يمثل بشيء من الخاص إنما يمثل بالعام"

وقال: "فمن جهل هذا وجهل لسان العرب ومعاني كلامها لم يجز له القول في علمها
ومن علم هذا مع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحابه وقول التابعين وكان صحيح العقل يفرق بين المشتبه وسعه القول في علمها"

فتأملوا هذه النقول ثم تعجبوا ممن افترى على هذا الإمام أو غلط عليه

قال الشافعي في الأم 5/146

قال قد قَالَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ قُلْت فإن من سَمَّيْت من التَّابِعِينَ وَأَكْثَرَ منهم إذَا قالوا شيئا ليس فيه كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ لم يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ لِأَنَّ الْقَوْلَ الذي يُقْبَلُ ما كان في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل أو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ عن أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ أو إجْمَاعٍ"

وقال أيضاً :" ال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وقد سأله: "إلى أي شىء ذهبت في ترك الصلاة بين التراوج؟ فقال: ضَربَ عليها عقبةُ بن عامر ونهى عنها عبادة بن الصامت، فقيل له: يروى عن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح فقال: أقول لك: أصحاب رسول الله، وتقول: التابعين!"
و سأله أيضاً عن عدد قتلوا رجلاً؟ "قال: يقادون به، يروى عن عمر وعلي ، فقيل له: يروى عن بعض التابعين أنه لا يقتل اثنان بواحد فقال: ما يُصنع بالتابعين؟".
نقل أبو عبد الله القَواريري - كاتب أبي هاشم - قال: "سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال ابن عمر، تقول: قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟"
قال أبو بكر الخلال في كتاب "غض البصر" من "الجامع" ومذهب أبي عبد الله: إذا صح عنده عن أحد من أصحاب رسول الله شىء لم يجاوزه إلى من بعده من التابعين"

قال ابن القيم
وأئمة الاسلام كلهم على قبول قول الصحابي

قال الدارمي -رحمه الله- في مسنده (162) :
أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة عن عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل قال :
كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب.
قال , قلت : عليها صيام ؟
قال ابن شهاب : لا يكون اعتكاف إلا بصيام .
فقال له عمر بن عبد العزيز : عن النبي صلى الله عليه و سلم ؟ قال : لا .
قال : فعن أبي بكر ؟ قال : لا , قال : فعن عمر ؟ قال : لا , قال : فعن عثمان ؟ قال : لا .
قال عمر : ما أرى عليها صياما , فخرجت فوجدت طاووسا وعطاء بن أبي رباح فسألتهما.
فقال طاووس : كان ابن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها .
قال : وقال عطاء : ذلك رأيي.


وأخبرنا معمر عن صالح بن كيسان قال :
اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي صلى الله عليه و سلم , ثم كتبنا أيضا ما جاء عن أصحابه .
فقلت : لا ليس بسنة , وقال هو : بلى هو سنة , فكتب ولم أكتب , فأنجح وضيعت

سُئِلَ ابن المسيب عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَأَى لِي مَعَهُمْ» قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ. قَالَ أَبُو عُمَر بن عبد البرَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقَوْلٍ يُخَالِفُهُمْ جَمِيعًا بِهِ

سُئِلَ محمد بن سرين عَنْ الْمُتْعَةِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ , فَقَالَ: «كَرِهَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , فَإِنْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُمَا أَعْلَمُ مِنِّي وَإِنْ يَكُنْ رَأْيًا فَرَأْيُهُمَا أَفْضَلُ»

قال ابن المبارك -رحمه الله-:«وأن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله عز وجل، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وترك الرأي والقياس، فهذا الذي أدركت عليه علماءنا القدماء، يرزقنا الله- وإياكم- الاستقامة واللحوق بالصالحين».

قال بشر الحافي -رحمه الله-:«ومن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك الرأي والابتداع».

"مختصر الحجة" لنصر المقدسي (382).

قال الشافعي –رحمه الله-:«.. وأوصي بتقوى الله عز وجل، ولزوم السنة، والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وترك البدع والأهواء، واجتنابها ..»."إثبات صفة العلو" لابن قدامة (ص179).

قال ابن المنذر: "وقال مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: البيع فاسد.قال أبو بكر: وهم يرون تقليد الواحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يخالفه منهم غيره"  (الإشراف 6:121)

لا يستدرك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأحكامهم وقضاياهم؛ إلا بهذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك
  
 والنهج الذي درج عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله عز وجل
  
 منها يقتبسون العلم، وبها يقضون، وبها يقيمون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون

 يورثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجا بهاً، واحتساباً في أدائها إلى من لم يسمعها

 يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم

 ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها؛ يحلون بها حلال الله، ويحرمون بها حرامه

 ويميزون بها بين الحق والباطل، والسنن والبدع، ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه، ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى

 فمن رغب عنها فإنما يرغب عن آثار السلف وهديهم، ويريد مخالفتهم ليتخذ دينه هواه، وليتأول كتاب الله برأيه خلاف ما عنى الله به

 فإن كنتم من المؤمنين، وعلى منهاج أسلافهم؛ فاقتبسوا العلم من آثارهم، واقتبسوا الهدى في سبيله، وارضوا بهذه الآثار إماماً؛ كما رضي بها القوم لأنفسهم إماماً

 فلعمري ما أنتم أعلم  بكتاب الله منهم، ولا مثلهم، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا باتباع هذه الآثار على ما تروى

 فمن لم يقبلها فإنه يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين، وقال الله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

[ الرد على الجهمية ص 124]

قال ابن بطة : فقضايا علي -عليه السلام- وأحكامه سنة واجبة، وفروض لازمة، مشاكِلةٌ لأحكام كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه -عليه السلام- عليهما ورد، وعنهما صدر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ" وهو أحد الخلفاء الراشدين وسنته كسنتهم.«الإبانة الكبرى» (8/301).

قال ابن السعد أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عكرمة، يحدث عن ابن عباس، قال:إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى [20/ 308]:وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها.

قال أبو داود: قلت لأحمد: أليس الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: (لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير)مسائله ٧٩٣

في المغني لابن قدامة (2/170) قال: (وكره أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد) التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر. فذُكر لأبي عبد الله فيه رخصةعن بعض الصحابة؟ فقال: هذا باطل، وإنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير)

قال ابن بطة: 230 - حدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت مالك بن أنس، قال: قال عمر بن عبد العزيز:  «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، من خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى» الآية

قال إسحاق بن راهويه: وأما العالم يفتي بالشيء يكون مخالفاً لما جاء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو التابعين بإحسان، لما يكون قد عزب عنه معرفة العلم الذي قد جاء فيه.فإن على المتعلمين أن يهجروا ذلك القول بعينه من العالم الذي خفي عليه سنته.«مسائل الكوسج» (1/224).

قال الإمام أحمد فيما كتب به إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني: فأما من تأوله على ظاهره -يعني القرآن- بلا دلالة من رسول الله، ولا أحد من أصحابه، فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة، ويكون حكمها حكمًا عامًا، ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم المعبر عن كتاب الله تعالى وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر، وما أريد بذلك.«العدة في أصول الفقه» (ص527

وقال الدارمي: ٨ -  أَخْبَرَنَا إِسْماَعِيلُ بْنُ أَبَانَ أَخْبَرَنِي حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْماَعِيلَ عَنْ عِيسَى عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِرَأْيِكَ فَقَالَ أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا أَخْبَرْتُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَسْأَلُنِي عَنْ رَأْيِي وَدِينِي عِنْدِي آثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَأَنْ أَتَعَنَّى بِعَنِيَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيِي

وقال أبو القاسم التيميّ في الحجة في بيان المحجة : لَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الرِّوَايَةوَإِنَّمَا هُوَ الإتباع، والاستعمال ، يَقْتَدِي بالصحابة، وَالتَّابِعِينَ وَإِن كَانَ قَلِيل الْعلم، وَمن خَالف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ ضال، وَإِن كَانَ كثير الْعلم." ا.هــ

وقال ابن تيمية في رده على السبكي ص765 :" الوجه الرابع : أن جميع أئمة المسلمين كانوا يدونون ألفاظ الصحابة والتابعين في العلم وينقلونها ، بل هذا كان هو العلم عندهم بعد ألفاظ القرآن والحديث وكانت الكتب المصنفة مثل موطأ مالك ومصنف ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وسفيان الثوري

ومن بعدهم مثل ابن المبارك وابن وهب وعبد الرزاق ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي وسعيد بن منصور وغيرهم

ومن بعدهم مثل كتب الشافعي وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد وأبي ثور ومحمد بن نصر مملوءة بأقوالهم

وكذلك كتب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن مملوءة بأقوال السلف من الصحابة والتابعين "

وحتى ابن حزم على مخالفته لها كان له بها معرفة تفوق معرفة الكثير من المعاصرين

وهذا مقال لي قديم في تثبيت القول بحجية سنة الخلفاء الراشدين وكانت هذه الخطوة الأولى في هذا المبحث

قلت هناك :" فهذا بحث مختصر في مسألة (حجية قول الخلفاء الراشدين)، وسرد الأدلة على حجية قولهم ومعلومٌ أننا نقصد ما لم يخالف حديثاً صحيحاً:
أولاً: حديث " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين "
عن العرباض بن سارية قال " ثم وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ "
روي هذا الحديث من طرق من أشهرها
ما أخرجه ابن ماجه في سننه (42) وابن أبي عاصم في السنة (26) و (55) و (103 والمروزي في السنة (رقم27) والبزار في مسنده (ق/219) وتمام الرازي في فوائده (355) وابن عساكر في تاريخ دمشق (31/ 27 - 2 و (40/ 179 - 180) من طرق عن الوليد بن مسلم، والطبراني في المعجم الكبير (18/رقم622) والأوسط (رقم66) ومسند الشاميين (1/رقم786) -وعنه أبونعيم في مستخرجه على مسلم (1/ 37) وابن عساكر في تاريخ دمشق (64/ 374 - 375) والمزي فيتهذيب الكمال (31/ 539) - من طريق إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر، والحاكم فيالمستدرك (1/ 97) من طريق عمرو بن أبي سلمة التنيسي وتمام الرازي في الفوائد (225) من طريق مروان بن محمد الطاطري وعلقه ابن عساكر في تاريخه (64/ 375) على زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي خمستهم عن عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني يحيى بن أبي المطاعقال: سمعت العرباض بن سارية، فذكره مرفوعا _ التخريج مستفاد من أحد الإخوة _
وقد أثبت البخاري سماع يحيى بن أبي مطاع من العرباض بن سارية في التاريخ الكبير (8/ 306) وهذا منه بمثابة تصحيح للحديث
وكذا أثبت سماعه منه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 345) ووأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (1/ 36)
ونفى سماعه منه دحيم كما في تاريخ أبي زرعة (1/ 605)
والباحث هنا مترددٌ بين إعمال إحدى قاعدتين
الأولى: قاعدة المثبت مقدم على النافي وعليها يقدم كلام البخاري والفسوي
الثانية: أهل بلد الراوي أعلم به وعليها يقدم قول دحيم فهو شامي ويحيى شامي
وللحديث طريقٌ آخر عليه المعول عند وهو طريق عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض وحديثه عند أحمد
(17142) والترمذي (2816) وابن ماجة (43) وغيرهم
وقد أعله بعضهم بجهالة عبد الرحمن بن عمرو السلمي وليس الأمر كذلك فقد قال فيه الذهبي في الميزان:" صدوق "
ووجه ذلك أنه روى عنه جمعٌ من الثقات وذكره ابن حبان في الثقات ذاكراً جمعاً من تلاميذه،
وصحح له جمعٌ من أهل العلم:
1_ الترمذي في سننه (2816)
2_ البزار كما نقل فيما نقله ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ص473
3_ أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه كما نقله ابن رجب في جامع بيان العلوم والحكم (2/ 109)
4_ ابن حبان في صحيحه
5_ أبو العباس الدغولي كما نقل الهروي في ذم الكلام
6_ أبو إسماعيل الأنصاري كما في كتابه ذم الكلام وقد نقل التصحيح عن الدغولي
7_ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله حيث أقر البزار
8_ الضياء المقدسي في المختارة
9_ الحاكم النيسابوري في المستدرك (41)
وكثرة الرواة عن الراوي تقوي حسن الظن به
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 36) باب رواية الثقة عن غير المطعون به أنها تقويه وعن المطعون به أنها لا تقويه
ثم نقل عن أبي حاتم وأبي زرعة في رفد هذا المعنى
وقال ابن رشيد كما في فتح المغيث (2/ 51) ((نعم كثرة روايةالثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به))
قلت: وخصوصاً إذا لم يؤثر عنه مناكيروإذا كان من كبار التابعين وهذا هو حال عبدالرحمن
فقد قال أبو زرعة (1/ 606): ((العرباض قديم الموت روى عنه الأكابر عبدالرحمن وجبير بن نفير))
قلت: أتراه يقدم مجهولاً على ثقة ويصفه بأنه من الأكابر!!
وكذا ذكره في هذه الطبقة الإمام مسلم في الطبقات ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ
وقد صحح له كل من سبق ذكرهم، وقد احتج أحمد بهذا الحديث
قال أبو داود في مسائله (ص369) ط مكتبة ابن تيمية: ((سمعت أحمد غير مرة يسأل يقال: لما كان من فعل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي سنة؟ قال: نعم وقال مرةً _ يعني أحمد _ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) انتهى النقل
قلت: احتج الإمام أحمد هنا بحديثنا ولا يظنبأن الإمام أحمد يحتج بحديثٍ ضعيف في تقرير أصل من أصول التشريع _ وإنما وقع ذلك منه في الأحاديث الفردية _ وفي هذا الحديث زيادة على أمر الله عز وجل في الأخذ بالكتاب والسنة وفي مثل هذا المقام لا يكفي الضعيف
وعبد الرحمن بن عمرو السلمي ثبت أنه كان صديقاً للعرباض بن سارية
يدل على هذا على هذا ما خرّجه ابن أبي عاصم في الآحاد قال:
حدثنا عمرو بن عثمان نا بقية، حدثني محمد بن زياد، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي قال: حلف على عطائي وعطاء عيالي وذلك أني دعيت على اسم غيري فأجب ودعي على اسمي فلم يجب عليه أحد. قال: فلم أترك أحدا أعلم أنه يثقل على الأمير إلا حملته عليه قال: وعلينا عبد الله بن قرط رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:» فلقيني العرباض بن سارية السلمي يقول لي: ما فعلت؟ قلت: لا شيء. قال لي: تعال فذهبت معه إلى المطهرة. فقال: توضأ. فتوضأت وتوضأ معي ودخلنا المسجد فقال: ماكنت سائله ابن قرط فسل الله تعالى؛ فإنه هو الذي يعطي ويمنع. ثم قال: اركع ركعتين ثم ادعوا فأعينك. قال: فركعنا ركعتين ودعونا فما برحنا حتى أتانا رسوله يقول: أين ابن عمرو؟ قال: فصعدت إليه فقال: حدثني بما صنعت فأخبرته الخبر. فقال: هلا سألتم الله تعالى الجنة؟ ثم قال لقد عرضت علي حاجتكما كأني أنظر إليها، فرد علي عطائي وعطاء عيالي
قلت: وهذا الخبر الصحيح مخرجٌ في الزهد لأبي داود أيضاً
ثانياً: حديث:" اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر " رواه أحمد في مسنده البزار في مسنده (2827) ابن سعد في الطبقات (2/ 334) والطبراني في الشاميين (913) والأوسط (3816) والحاكم (4425) من طريق عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة
وله طريق أخرى بسطها الألباني في الصحيحة (1233)
وقال العقيلي: " يروى عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت " (انظر التلخيص الحبير (4/ 190))
ثالثاً: قول عمر:" لو فعلتها لكانت سنة "
قال الإمام مالك في الموطأ 114عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريبا من بعض المياه فاحتلم عمر وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء فركب حتى جاء الماء فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر فقال له عمرو بن العاص أصبحت ومعنا ثياب فدع ثوبك يغسل فقال عمر بن الخطاب واعجبا لك يا عمرو بن العاص لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا والله لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر قال مالك في رجل وجد في ثوبه أثر احتلام ولا يدري متى كان ولا يذكر شيئا رأى في منامه قال ليغتسل من أحدث نوم نامه فإن كان صلي بعد ذلك النوم فليعد ما كان صلى بعد ذلك النوم من أجل أن الرجل ربما احتلم ولا يرى شيئا ويرى ولا يحتلم فإذا وجد في ثوبه ماء فعليه الغسل وذلك أن عمر أعاد ما كان صلى لآخر نوم نامه ولم يعد ما كان قبله
قلت: إسناده صحيح، والخبر عند عبد الرزاق في المصنف (1446)، وهذا فعلٌ لعمر في العبادات يدفع تأويل من أول سنة (الخلفاء) بسياستهم كما أن هذا التأويل تخصيص بغير مخصص وهو محض تحكم وكلمة عمر تعضد الأحاديث السابقة.
رابعاً: تسمية علي بن أبي طالب فعل عمر:" سنة "
قال الإمام مسلم (1707) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعلي بن حجر. قالوا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن علية) عن ابن أبي عروبة، عن عبدالله الداناج. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (واللفظ له). أخبرنا يحيى بن حماد. حدثنا عبدالعزيز بن المختار. حدثنا عبدالله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج. حدثنا حضين بن المنذر، أبو ساسان. قال:
شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد، قد صلى الصبح ركعتين. ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران؛ أنه شرب الخمر. وشهد آخر؛ أن رآه يتقيأ. فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي! قم فاجلده. فقال علي: قم، يا حسن! فاجلده. فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها (فكأنه وجد عليه). فقال: يا عبدالله بن جعفر! قم فاجلده. فجلده. وعلي يعد. حتى بلغ أربعين. فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين. وجلد أبو بكر أربعين. وعمر ثمانين. وكل سنة. وهذا أحب إلي.
قلت: وتأمل ذكر علي لأبي بكر مقروناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن فعل الصديق معتبراً لما كان لذكره معنى بعد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
خامساً: إفتاء ابن عباس بفعل عمر
قال ابن جرير في تهذيب الآثار 977 - حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الهذلي، قال: سألت ابن عباس عن صوم الأيام البيض، فقال: «كان عمر يصومهن»
قلت: إسناده صحيح، وهنا يفتي ابن عباس بفعل عمر مع كونه كان يكره الصيام الراتب
سادساً: تصريح عمر بأنه يقتدي بأبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم
قال البخاري في صحيحه 1517 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب: حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: جئت إلى شيبة. وحدثنا قبيصة: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل قال:
جلست مع شيبة على كرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما.
سابعاً: ذكر جمع من الصحابة للراشدين مع النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الإحتجاج ولو لم يكن فعلهما معتبراً لكان ذكرهما لا وجه له.
قال الإمام مسلم صحيحه: وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك؛ أنه حدثه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان. فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحم. في أول قراءة، ولا في آخرها.
(399) حدثنا محمد بن مهران. حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي. أخبرني إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة؛ أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك
قال الترمذي في سننه 244 - حَدَّثَنَا أَحَمْدُ بنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سَعيدُ الجُوَيْريُّ عن قَيْسِ بن عَبَايَةَ عن ابنِ عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ قَالَ:
"سَمِعَني أَبي وَأَنَا في الصَّلاَةِ أَقُولُ "بَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ" فَقَالَ لي: أَيْ بُنيَّ مُحْدَثٌ إِيَّاكَ وَالحَدَثَ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ أَحَداً مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبغَضَ إِلَيهِ الحَدَثُ في الإِسْلاَمِ، يَعْنِي مِنْهُ، وَقَالَ: وَقَدْ صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ أَبي بَكْرِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْهُمْ يَقُولُها، فَلاَ تَقُلْهَا، إِذَا أَنتَ صَلَّيتَ فَقُلُ {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين} ".
وقال أيضاً (400) -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أَخْبَرَنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ إِنَّكَ قَدْ صَلَّيتَ خَلْفَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ هَاهُنَا بِالكُوفَةِ، نَحْواً مِنْ خَمْسِ سِنينَ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ؟ قَالَ: أَيْ بُني محْدَثُ
قلت: لو لم يكن في فعلهم حجة لم يذكرهم هذا التابعي لوالده؟!
ثامناً: حياء عمر من مخالفة أبي بكر
قال الإمام أحمد في فضائل الصحابة 123 - حدثنا عبد الله قال حدثني هارون بن سفيان نا معاوية يعني بن عمرو حدثنا زائدة عن مغيرة قال سمعت الشعبي يقول قال عمر: إني لأستحي من ربي أن أخالف أبا بكر
قلت: إسناده قوي عند من يمشي مراسيل الشعبي، ولهذا الخلاف جاء ذكره هنا مناسباً ولا شك أنه يحتمل في الموقوف

اعتراضات الجويني في التلخيص على من قال بحجية قول الخلفاء الراشدين والجواب عليها
أقدم من وقفت عليه ممن شغب على القول بحجية قول الخلفاء الراشدين الجويني صاحب التلخيص وقلده من جاء بعده واعتراضاته لا تخرج عن ضربين
الضرب الأول: احتجاجه بأخبار ساقطة لا تصلح لمعارضة الأخبار الثابتة مثل احتجاجه بحديث:" أنا مدينة العلم وعلي بابها "، واحتجاجه بحديث:" أصحابي كالنجوم " وغيرها
الضرب الثاني: افتراضه المعارضة بين ما لا يتعارض فافتراضه المعارضة بين حديث:" أعلمكم بالحلال والحرام معاذ " وأحاديث الباب
والجواب على هذا من وجوه
أولها: منع المقدمة بالقول أننا لو قلنا بأن حديث معاذ فيه زيادة على الأحاديث الواردة ولا تعارض بين الزائد والمزيد عليه
ثانيها: القول بأن الحلال والحرام إن عني به الفقه فهو باب من أبواب الدين فيكون هذا الخبر خاصاً والأخبار الواردة في الباب عامة تشمل جميع أبواب الدين ولا تعارض
ثالثها: القول بأن (الأعلم) ليس مأموراً باتباعه لاحتمال الخطأ عليه ففرقٌ بين قولنا:" اقتد بفلان " وقولنا:" فلان أعلم أهل البلد "
رابعها: أن يكون المقصود بأعلمهم بالحلال والحرام أعلمهم بالحلال والحرام المأخوذ من النص لا الإجتهاد فاجتهاد الراشدين أوفق من اجتهاد غيرهم لشهادة الوحي لهم
وبهذه الطريقة يجاب على بقية اعتراضاته

المذاهب الفقهية المشهورة في الاحتجاج بسنة الخلفاء الراشدين
1_ أبو حنيفة
قال : (إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات عن الثقات، فإذا لم أجد فيكتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع قول من شئت ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب … فلي أن أجتهد كما اجتهدوا) رواه الصيمري في كتاب أخبار أبي حنيفة (10) _ هذا مستفاد من بحث لأحد الإخوة _
قلت: تأمل تصريحه بالأخذ بأقوال الصحابة، وأولى الصحابة بالإتباع الخلفاء الراشدين، ولا شك أن التخير بين أقوال الصحابة
ومن الفروع الفقهية التي أخذ بها أبو حنيفة بأقوال الراشدين مسألة عورة الأمة فاعتمد القول المروي عن عمر في عورة الأمة، ولا يخفى أن قول عمر، فيه تخصيص لعموم الكتاب ولسنا هنا بصدد تقويم هذا التفريع من جهة الصحة أو الضعف وإنما أريد بيان مذهب الإمام في مسألتنا
ومثلها مسألة سجود المرء على ظهر أخيه إذا لم يجد مكاناً يسجد عليه
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 484):" ولو سجد على حشيش أو قطن إن تسفل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأه وإلا فلا وكذا إذا صلى على طنفسة محشوة جاز إذا كان متلبدا وكذا إذا صلى على الثلج إذا كان موضع سجوده متلبدا يجوز وإلا فلا ولو زحمه الناس فلم يجد موضعا للسجود فسجد على ظهر رجل أجزأه لقول عمر: اسجد على ظهر أخيك فإنه مسجد لك وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن سجد على ظهر شريكه في الصلاة يجوز وإلا فلا لأن الجواز للضرورة وذلك عند المشاركة في الصلاة "

وقد قدمنا أن أبا حنيفة مبتدع ضال رأس في الضلالة ولكننا هنا نلزم وإلا فقد ثبت عنه رد أحاديث

2_ الإمام مالك
وأما الإمام مالك رحمه الله فتصرّفه في الموطّأ يدل على أنه يرى أن قول الصحابي حجة فكثيراً ما يحتج بفتاويهم. قال الشاطبي رحمهالله في الموافقات (4/ 80): "ولما بالغ مالك في هذا المعنى - أي اتخاذ الصحابة قدوة وسيرتهم قبلة - بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستن بسنتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون ءاثاره ويقتدون بأفعاله، ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة"
وأولى الصحابة بالإتباع الخلفاء الأربعة
مما احتج به مالك في الموطأ من أفعال الشيخين
قال يحيى بن يحيى في روايته للموطأ:" 178 - وحدثني عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أنه قال: "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} إذا افتتح الصلاة "
179 - وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال:"كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم بالبلاط "
3_ الإمام الشافعي
وأماالإمام الشافعي رحمه الله- فمنصوص في أشهر كتبه الأم هو أن قول الصحابي حجة. فقد قال فيكتابه (الأم) (7/ 280):" ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلابتباعهما. فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أوواحد منهمأو واحد منهم ثم كان قول الائمة أبي بكر أو عمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا "
قلت: فانظر كيف صرح الإمام بحجية أقوال الصحابة عنده، وكيف صرح بأن تقليد الخلفاء الراشدين المهديين هو مذهبه، ثم يأتي من يزعم أن مذهبه عدم حجية قول الصحابي!!، وقوله هذا يغني عن غيره في تحرير مذهب الإمام
4_ الإمام أحمد
قال أبو داود في مسائله (ص369) ط مكتبة ابن تيمية: ((سمعت أحمد غير مرة يسأل يقال: لما كان من فعل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي سنة؟ قال: نعم وقال مرةً _ يعني أحمد _ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين))
قلت: هذه أقوال المذاهب الأربعة المشهورة  فدع ممن يقعقع بما ينقله عن جمهور الأصوليين
وقول الصحابي إذا عضده القياس فلا إشكال في قوته، وإن لم يعضده قياس
فالقول فيه أنه مما لا يتصور أن يفتي الصحابي المجتهد بخلاف القياس بدون توقيف
ففي الحالين للقول قوته"

وقلت أيضاً في بعض مقالاتي :" كما اعتنوا بالإسناد وعلوه في الرواية فقد اعتنوا بعلو الإسناد الفقهي فاعتنوا بفتاوي الصحابة رضوان الله عليهم، وما زال المتأخر منهم يعرف للمتقدم فضله

قال الدارمي في مسنده [162]:" أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة عن عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل قال كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب قال قلت عليها صيام قال ابن شهاب لا يكون اعتكاف إلا بصيام فقال له عمر بن عبد العزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا قال فعن أبي بكر قال لا قال فعن عمر قال لا قال فعن عثمان قال لا قال عمر ما أرى عليها صياما فخرجت فوجدت طاوسا وعطاء بن أبي رباح فسألتهما فقال طاوس كان بن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها قال وقال عطاء ذلك رأيي ".
قال ابن حجر  [الفتح 9/ 484]: " قوله [وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق] وصله ابن أبي شيبة عن شبابة , ورويناه في الجزء الرابع من تاريخ أبي زرعة الدمشقي عن آدم بن أبي إياس كلاهما عن بن أبي ذئب عن الزهري قال:-[قال رجلٌ لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده ويفرّق بينه وبين امرأته , حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال: [ليس على المجنون ولا على السكران طلاق] فقال عمر: تأمرونني وهذا يحدثني عن عثمان فجلده ورد إليه امرأته "
أقول: في الأثرين اعتداد عمر بن عبد العزيز بآثار الصحابة وكلاهما صحيح
قال عبد الرزاق [2476 - 11/ 256] " حدثنا معمر والثوري عن ابن أبجر: قال:- قال لي الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوا فيه برأيهم فبل عليه ".
أقول: هذا كلام الشعبي في آراء التابعين فكيف بآراء من بعدهم؟!
وكما أننا ندعو إلى ترك القصاص، ولزوم غرز العلماء، ينبغي أن ندعو إلى لزوم غرز الأوائل من العلماء الذين بقيت تركتهم بيننا، ولا يعني هذا إهدار جهود العلماء بل ينبغي الإعتناء بعلوم العلماء السلفيين المعاصرين لاسيما في النوازل، ولكن الواجب أن تكون حصة الأسد من العناية لعلوم الأوائل.
قال عبد الرزاق [20487] " وأخبرنا معمر عن صالح بن كيسان قال:- اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم كتبنا أيضا ما جاء عن أصحابه فقلت لا ليس بسنة وقال هو بلى هو سنة فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت."
أقول: إسناده صحيح وهذا تنصيص من الزهري وصالح بن كيسان أن آثار الصحابة سنة.
وقال ابن عبد البر في [الجامع 2/ 66]:- " وذكر سنيد عن محمد بن كثير عن ابن شوذب عن أيوب عن ابن سيرين أنه سئل عن المتعة بالعمرة إلى الحج؟ قال:- كرهها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، فإن يكن علماً فهما أعلم مني، وإن يكن رأياً فرأيهما أفضل "
أقول: كلام ابن سيرين هذا أصل في الأخذ بأقوال الصحابة في المسائل التي لا يعلم فيها بنصٍ معارض، ولا يقال:" هذا خلاف الأصول "، فإن الصحابة أعلم بأصول الشريعة وبالقياس عليها من كل من جاء بعدهم، فإذا كنا ننزه آحاد الفقهاء عن القول بما يخالف الأصول بغير بدليل فكيف يصح لنا أن نننسب ذلك إلى أفقه هذه الأمة بعد نبيها، وأقبح من ذلك دعوى بعضهم أن بعض فتاوى الصحابة تخالف ظاهر القرآن، سبحان الله!، إن الذي يظن في نفسه أنه أعلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن لمغرورٌ حقاً، وقد يكون غره أنه رجل وهم رجال، وما علم أن الرجال ليسوا كالرجال كما أن البحرين لا يسويان هذا عذبٌ فرات وذاك ملحٌ أجاج"

وقلت أيضاً :" قال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص133 ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبُسْتِيُّ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ: " مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قُتِلَ، وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، هَلْ لِلأَكَابِرِ أَنْ يَقْتُلُوا دُونَ الأَصَاغِرِ؟ فَقَالَ: لا ".
فَقُلْتُ لَهُ: فَقَدْ قَتَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ابْنَ مُلْجَمٍ، وَلِعَلِيٍّ أَوْلادٌ صِغَارٌ؟ فَقَالَ: أَخْطَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا كَانَ جَوَابٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا اللَّفِظِ؟ ! قَالَ: وَهَجَرْتُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ

فهنا احتج الشافعي بفعل الحسن بن علي _ رضي الله عنه وعن أبيه _ فدفع ذلك المريسي وغلط الحسن فهجره الشافعي

والصحابي لا يصلح دفع قوله إلا إذا خالفه من هو مثله ويتم الترجيح بين أقوالهم بالبينات لا التشهي أو يكون قد خالف نصاً بيناً صريحاً ولا يكون محض توهم معارضة

فكيف لو أدرك الشافعي من يرد أقوال الصحابة التي تواطؤا عليها وما وقع بينهم فيها الخلاف

كقولهم بأن طلاق العبد مرتين وعدة الأمة حيضتين

وكقولهم بأن الصلاة المغرب لا تعاد

وكمن ينكر على مذهبهم في المنع من بيع المصاحف أو يؤوله بالتأويلات البعيدة

وكيف لو رأى من يدفع أخبارهم في الغيبيات بحجة أنها إسرائيليات حتى  لو وافقهم عليها التابعون ولا يعلم عن السلف خلافها حتى وصل الأمر إلى رد خبر علي في هاروت وماروت وخبر ابن مسعود في خطيئة داود

وكيف بمن خالف عقيدة السلف في الصفات وسفههم وقد نص ابن تيمية في التسعينية على أن الجهمية الأشعرية سبوا السلف بما لم تسبهم بهم الرافضة الأولى والخوارج الأولى

وذلك أن أولئك طعنوا في عدالتهم والجهمية طعنوا في معرفتهم بالله رب العالمين وسفهوا من اعتقاد السلف ونسبوه للمجسمة

ونظير هذا من يتهم السلف بظلم أهل الرأي ( اتهاماً مبطناً ) ويبدع من يأخذ بمقالتهم في أهل الرأي وينسبه للفتنة فهذا حقيقة قوله الإزراء على السلف وما أكثر إزراءهم على السلف مع انتحالهم لهم كذباً وزوراً

وقد نص أبو يعلى على أن إجماع التابعين لا يرفع إجماع الصحابة في حال المخالفة

واليوم تدفع إجماعات السلف المتتابعة في تكفير الجهمية وتبديع أهل الرأي والظاهرية بدعوى إجماعات متوهمة لبعض المعاصرين ولا حقيقة لها

قال عبد الله بن أحمد في السنة 336 - حدثني أبو الفضل ، حدثني مسعود بن خلف ، حدثني إسحاق بن عيسى ، حدثني محمد بن جابر ، قال : سمعت أبا حنيفة ، يقول : « أخطأ عمر بن الخطاب فأخذت كفا من حصى فضربت به وجهه »

مسعود متروك غير أنه توبع ، ومن خالف عمر ليتبع الصديق كما في مسألة ميراث الجد مع الأخوة وتأدب باللفظ لا ذم عليه ، وما أورد عبد الله هذا الخبر في سياق مثالب أبي حنيفة إلا لأنه يرى ذلك مثلبة

قال أبو يعلى في العدة (4/1156) :" وكذلك نقل أبو عبد الله القَواريري - كاتب أبي هاشم - قال: "سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال ابن عمر، تقول: قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟"

عطاء بن أبي رباح من كبار فقهاء التابعين غير أن الإمام أحمد غضب لما جعلوا قوله معارضاً لقول عبد الله بن عمر

واليوم يجعل من لا يساوي عشر فضل عطاء معارضاً لقول الصحابة والتابعين والله المستعان

واليوم تأتي في مسألة أهل الرأي وأبي حنيفة بقول سفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد ابن حنبل وابن عيينة والحمادين

فيعارض بكلام بعض من تأخر عنهم ممن لا يساويهم في العلم والفضل ومعهم الجرح المفسر والمعاصرة والبلدية في بعضهم

غير أن الهوى إذا استحكم خولفت كل القواعد العلمية

والكلام ذو شجون واللبيب بالإشارة يفهم وأما البليد فلا حيلة لي به"

وقلت أيضاً :" قال ابن حزم في الإحكام (6/ 839) : قد حدثنا أحمد بن عمر العذري، ثنا علي بن الحسن بن فهر، ثنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي، ثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم:
حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ بقول إبراهيم.
قال مالك: صح عندهم قول عمر ؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم.
فقال مالك: هؤلاء يستتابون.

وهذا إسناد صحيح فأحمد بن عمر العذري مترجم في سير أعلام النبلاء (18/567)

وأما علي بن الحسن بن فهر فهو علي بن الحسن بن علي بن العباس بن محمد بن فهر أبو الحسن الفهري المصري له كتاب في فضائل مالك مترجم في تاريخ الإسلام للذهبي (28/ 502)

وأما محمد بن أحمد الذهلي فثقة مترجم في سير أعلام النبلاء (16/ 205)

وأما جعفر الفريابي فثقة مترجم في سير أعلام النبلاء (14/94)

والبقية معروفون ، وقول مالك هذا فيمن قدم قول النخعي على قول عمر ، ولا شك أن مالكاً لا يعني من ترك قول عمر لسنة ثبتت عنده ، وإنما يعني من قدم قول التابعي على قول عمر دون نص ، فهذا لم يعرف قدر الصحابة

وأوقح منه من يقدم كلام بعض المعاصرين على كلام الصحابة ، بل بعضهم يشترط للأخذ بقول الصحابي أن يقول به معاصر وهذا القول بدعة في الدين وجرأة عظيمة على السلف

وكيف لو رأى مالك من يقول لا آخذ بكلام ابن عباس وابن مسعود في التفسير لأنه يخالف ظاهر القرآن !، وأنا آخذ بكلام المعاصرين

وجمع كلام المعاصرين متعذر ، وإحسان ظننا بهم يقتضي أنهم لا يدعون مقالات السلف بالجملة

وقد استبعد شيخ الإسلام ثبوت إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة فكيف بمن يزعم إجماع المعاصرين على خلاف قول أحد الصحابة أو عامتهم ، أو خلاف السلف أو عامتهم
قال شيخ الإسلام في الفرقان بين الحق والبطلان ص222 :" وإذا قيل : قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع

فمثل هذا مبني على مقدمتين :

إحداهما : العلم بأنه لم يبق في الأمة من يقول بقول الآخر وهذا متعذر

الثانية : أن مثل هذا هل يرفع النزاع ، فيه خلاف مشهور ، فنزاع السلف يمكن القول به إذا كان معه حجة ، إذ النصوص على خلافه ، ونزاع المتأخرين لا يمكن حصره لأن كثيراً منه قد تقدم الإجماع على خلافه كما دلت النصوص على خلافه ، ومخالفة إجماع السلف خطأ قطعاً "

أقول : في كلام شيخ الإسلام هذا عبرة لمن يقول ( أجمع العلماء بعد القرن السادس على كذا ) وكأنه حصر مؤلفات المسلمين في تلك الحقبة كلها ، وإذا كان حصر كلام التابعين عسير فكيف يكون حصر كلام الناس في تلك الأزمنة ممكناً ، ومثل هذا الكلام يقولونه في محاولة إبطال خلاف سفيان والأوزاعي وأحمد في بعض المسائل والله المستعان على الجرأة

وحصر كلام المعاصرين أعسر وأعسر ولو فرضنا أنهم أجمعوا على خلاف قول لأحمد بن حنبل لم يكن ذلك رافعاً لخلافه إذا جاء من رأى الدليل معه

وتسمية مخالفة المتأخر للمتقدم ( فهماً لكلام المتقدم ) من التحريف البارد ، ولو طردنا ذلك لجاز للأشعري والصوفي أن يأتي بكلام علمائه الذي يخالف كلام السلف فإذا احتججت عليه بكلام السلف قال لك ( علماؤنا اطلعوا وهم أعلم منك بكلام الأئمة وفهموه على خلاف فهمهك )

وكلام السلف ليس خلواً للمعاصرين فقط بل شرحه كثير ممن جاء بعدهم فنص مالك المذكور يقول فيه ابن القيم في إعلام الموقعين (2/201) :" وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله.
وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا ويأخذ بقول إبراهيم قال مالك: وصح عندهم قول عمر قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم فقال مالك: هؤلاء يستتابون والله أعلم"

ورد كلام السلف بدعوى إجماع المتأخرين أو المعاصرين على خلافه في الغالب يكون دعوى فارغة ناشئة عن عدم الاطلاع

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/30) :" وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كاذب من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه فليقل لا نعلم الناس اختلفوا" هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكنه يقول: "لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك" هذا لفظه ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده"

وقد ضلل من ضلل شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الطلاق ثلاثاً وطلاق الحائض ومسألة الاكتفاء بطواف واحد للمتمتع وغيرها من المسائل ( ومسائل الطلاق الصواب فيها مع مخالفه والمقصود ضرب المثل )

قال ابن عثيمين في الأصول من علم الأصول :" 1 - أن يثبت بطريق صحيح، بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقله ثقة واسع الاطلاع.
2 - أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع، لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها.
فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه، وقيل: لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة"

وأما اشتراط أن يقول به معاصر فهذا لم يقل به أحد من العالمين ، والإحاطة بأقوالهم عسيرة والإحاطة بكلام السلف أيسر

قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (19/202) :" وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ قَدْ تَتَعَذَّرُ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا فَمَنْ ذَا الَّذِي يُحِيطُ بِأَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ ؟ بِخِلَافِ النُّصُوصِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا مُمْكِنَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ "

ثم هذا المشترط نفسه إذا أتيته بكلام معاصر اشترط أن يكون الجمهرة من المعاصرين على قولك وصار يحتج بأقوال البقية فرداً فرداً وهذه طريقة محدثة في البحث العلمي ، بل بلغ الغباء ببعضهم أنه كلما سمع من يثني على الأوائل ظن أنه يذم المتأخرين جملة حتى أنك لو قرأت كلام ابن تيمية السابق دون أن تخبره أن ابن تيمية القائل لحام على تضليك ، وأصل السلفية مبنية على اعتقاد فضل علم السلف على علم الخلف المأخوذ من عدة نصوص من أظهرها قول النبي صلى الله عليه وسلم ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ولا يعني هذا إبطال حديث ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ) فإن هذه الطائفة إنما ظهرت بالحق الذي ورثته عن المتقدمين ولذا تصير في زمان غربة في الأزمنة المتأخرة

قال شيخ الإسلام في القواعد النورانية ص130 :" فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء وهم في ذلك درجات بحسب ما يغلب وبحسب الحسنات الماحية
و أكثر المتأخرين من المنتسبين إلى فقه أو تصوف مبتلون بذلك"

فتأمل قوله ( وأكثر المتأخرين ) وما فيه من الدلالة على فضل السلف ، ولا يعني ذلك بطر حق المتبعين من الخلف ولكن العلم في أزمنة السلف أظهر والغلط فيهم أقل والهوى عنهم أبعد والإنصاف فيهم أظهر ، وعباراتهم جلية مفهومة يوضح بعضها بعضاً وهي شرح لما في الكتاب والسنة من العلوم ، وإن كان في النظر في آثارهم ضرر ومحظور فالنظر في كلام من بعدهم إلى الخطر أقرب ، ومن زعم أن كلام الخلف أهدى من كلام السلف فقد جاء منكراً من القول وزوراً وعمد إلى السلفية وضربها في أصلها"
-




وقلت أيضاً :" فإن مما اشتهر عند متأخري المصنفين في علم أصول الفقه ، أن مذهب الشافعي الجديد القول بعدم حجية قول الصحابي ، وقد تصدى الإمام ابن القيم للرد على هذا الكلام في إعلام الموقعين

وهنا كلام نفيس للعلامة ابن المنذر ، وهو من كبار فقهاء الشافعية المتقدمين فقد توفي عام 318 ، فقد ذكر الفروع التي بناها الشافعية على قول عمر _ رضي الله عنه _ لما رآهم خالفوه في مسألة قسمة الفيء ملزماً إياهم

قال ابن المنذر في الأوسط (6/ 426_ 427) :" فإذا كان من مذهب أصحابنا الامتناع من بيع أمهات الأولاد لقول عمر ، وقد خالفه جماعةٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجب لقوله التفريق بين رجلٍ وامرأته وقد عقدا بينهما نكاحاً صحيحاً ، بكتاب وسنة وإجماع لعيب يجده بها ، من العيوب التي جعل عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ للرجل الخيار إذا وجد بها عيباً من العيوب ثم يجعل قول عمر أصلاً تبنى ، فيقال : وكذلك إذا وجدت به عيباً من تلك العيوب كان لها الخيار ، كما كان له الخيار ، ويجب التفريق بين العنين وبين زوجته اتباعاً لعمر ، وفي ذلك كله اختلاف ، ويوجب في حمام مكة شاة ، وإن كان ظاهر الكتاب لا يدل بل يقال ، إن ظاهر الكتاب يدل على أنه لا جزاء من النعم ، في الحمام يقتل لا يصغر عن ذلك فإذا أوجب موجبٌ لقول عمر ما ذكرناه ، فاتباع عمر فيما يدل عليه ظاهر الكتاب ، وقول كل من نحفظ قوله من أهل العلم غير الشافعي أولى والله أعلم "

أقول : وهذا الذي ذكره ابن المنذر ، إنما هو نموذج وإلا فهناك نظائر لهذه المسألة مثل المسألة العمرية في الفرائض ، والمسألة الحمارية المعروفة ، وغيرها من المسائل

ثم دلني الأخوة على فائدة بالدنيا

قال الشافعي في الأم (8/645) :" أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ يَعْقِلُ شَيْئًا مِنْ الْفِقْهِ أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَ عُمَرَ وَلاَ يَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِرَأْيِ نَفْسِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَيَجْعَلُهُ مَرَّةً أُخْرَى حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ وَحُجَّةً فِيمَا لَيْسَتْ فِيهِ سُنَّةٌ وَهُوَ إذَا كَانَ مَرَّةً حُجَّةً كَانَ كَذَلِكَ أُخْرَى فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ إلَى مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ يَقْبَلُ مِنْهُ مَرَّةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى جَازَ لِغَيْرِكُمْ تَرْكُهُ حَيْثُ أَخَذْتُمْ بِهِ وَأَخْذُهُ حَيْثُ تَرَكْتُمُوهُ فَلَمْ يَقُمْ النَّاسُ مِنْ الْعِلْمِ عَلَى شَيْءٍ تَعْرِفُونَهُ وَهَذَا لاَ يَسَعُ أَحَدًا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ "

والشافعي قال هذا وهو يرد على شيخه مالك _ المعروف باتباع الصحابة _ في مسألة نفي العبد إذا زنى"

ومن المسائل التي اتفق عليها الفقهاء والحجة فيها قول عمر اعتاق العبد إذا ملكه ذا رحم له


وقلت أيضاً :" قال ابن كثير في مناقب الشافعي ص173:
" وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصم محمد بن يعقوب ، عن الربيع عن الشافعي أن قال :" الأصل كتاب الله ، أو سنة ، أو إجماع الناس ، أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهذا من أدل الدليل على مذهبه أن قول الصحابي حجة ، وهو الذي عول عليه البيهقي وغيره من الأصحاب
وزعم الأكثرون منهم : الشيخ أبو حامد الاسفراييني أنه رجع عن هذا في الجديد "
أقول : الصواب في مذهب الإمام الشافعي ، ما عول عليه البيهقي ، فإنه كان المنافح الأكبر عن مذهب الشافعي والشارح والمستدل له بالأخبار والآثار ، وقد رأى في كثيرٍ من مذاهب الشافعي أنها بنيت على فتاوى الصحابة والله أعلم"


وقلت في موضوع التابعي الكبير :" إننا لله وإنا راجعون ، يحتاج المرء في هذا الزمان إلى إنفاق وقت طويل في توضيح الواضحات ، وذلك أن البلادة قد استولت على عقول الكثيرين بسبب الثقافة المادية ، فآثروا مسالك الظاهرية كابن حزم وأضرابه والذي كان متأثراً بالمنطق

ومن أبرز سوآت هذا المسلك عدم اعتبار القرائن نفياً وإثباتاً

بل تجد أحدهم يذكر قاعدة سليمة ويطبقها أبداً بغض النظر عن القرائن التي قد تقترن بالقاعدة فتخرجها عن سمتها

وأما السلف فكان مسلكهم أدق من هذا بكثير

وقد تكلم ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية عن الحكم بالقرائن وأهميته بكلام حسن

وقد تكلمت في مقال عن سبب احتجاج الشافعي بخبر ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) مع انقطاعه الظاهر وبينت القرائن التي دلت الشافعي على صحة الخبر

وتكلمت في مقالي عن أن معظم الأحكام الشرعية الثابتة قطعية الثبوت عن أمر القرائن هذا

وخذ مثالاً أثر مجاهد في المقام المحمود

احتمل الناس رواية ليث عن مجاهد لكونها في خبر مقطوع وهذه قرينة حفظ كما أن رواية ليث عن مجاهد صحيفة أصلاً_ وهذا في التفسير ويحتمل حتى في غيره _  ثم إن متن الخبر مما يحفظ مثله

وقالوا بالمتن لأن مجاهداً مختص بالتفسير وحمله عن ابن عباس وقد تكلم بهذا التفسير بين ظهراني الأخيار فلو كان فيه ما يستنكر لتكلموا بل لا مجال في تفسير مجاهد هذا للرأي ومجاهد في التفسير بالذات مراسيله قوية لشدة لزومه لابن عباس

لهذا تلقى السلف الأوائل هذا الخبر بالقبول فلما ظهر من ينكره احتجوا بتلقي السلف له بالقبول فلما أظهر شبهة الجهمية في دفعه جهموه

ولهذا يقول ابن القيم في الكافية الشافية

إن كان تجسيماً فإن مجاهداً *** هو شيخهم بل شيخه الفوقاني

وشاء الله أن يخزي الجهمية فعلى مجاهد عولوا في إنكار الرؤية فجاءتهم هذه الصاعقة من مجاهد ، ومجاهد لم ينكر الرؤية ولكن توهموا عليه

نعم التابعون أقوالهم ليست حجة بإطلاق ، ولكنها قد تصير حجة بالقرائن

قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم :" أنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر، أو بفعل خالد بن معدان  ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجه الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة."

فهذا هو الفهم الدقيق للتصرفات السلفية ولنأخذ ها هنا عدة أمثلة

المثال الأول : قال ابن أبي شيبة في المصنف 23224 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، «أَنَّ رَجُلًا كَسَرَ طُنْبُورَ الرَّجُلِ فَخَاصَمَهُ إِلَى شُرَيْحٍ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ شَيْئًا»

شريح القاضي من كبار التابعين وقد كان قاضياً عند عمر وعثمان وعلي

قضاؤه هذا يقتضي القول بتحريم الطنبور ومثله بقية المعازف

فلو لم يكن هذا الأمر فاشياً في ذلك العصر لما حكم شريح بهذا وهذا القضاء كان بمرأى ومسمع من أعيان الصحابة والتابعين

والأصل في الأشياء الإباحة فحين ينتقل القاضي شريح من الإباحة إلى التحريم فلا بد أن يكون قد صح عنده شيء عن شيوخه من كبار الصحابة


وقال ابن المنذر في الأوسط [7/ 33]:
حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا سليمان بن حرب سنة خمس عشرة بمكة، عن حماد بن زيد عن أيوب، عن محمد، أن شريحاً كان يرى رد اليمين.
قال سليمان: هذا قاضي عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي.
أقول: استدل سليمان بن حرب على سداد قول شريح بأنه كان قاضياً عند عمر وعثمان وعلي.

فهذا المثال اجتمعت فيه القرائن الموجودة في أثر مجاهد الذي تلقاه السلف بالقبول والقرائن الموجودة في أثر خالد بن معدان الذي احتج به أحمد وشرح ابن تيمية وجه احتجاجه به وزاد عليهم قرينة كون شريح من كبار التابعين وكونه كان قاضياً عند الراشدين فالأخذ بقضائه ما لم يرد مخالف من سنة الراشدين وكونه حكم بإهدار شيء الأصل أن له قيمة ولا يقدم عاقل على مثل هذا إلا بدليل شرعي

فهذا يدلك على الواقع العملي في زمن الصحابة في هذا الباب

واعلم أن شريحاً لا يروي إلا عن الصحابة فتأمل هذا بل لا يروي إلا عن كبارهم

قال ابن أبي شيبة في المصنف 16669- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسلِم ، قَالَ : قَالَ لِي خَيْثَمَةُ : أما سَمِعْت سُوَيْدًا يَقُولُ : لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ دُفٌّ.

وهذا إسناد صحيح لسويد بن غفلة وهو تابعي مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمعه كاد أن يكون صحابياً قدم المدينة وقد انتهوا للتو من دفن النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه أخذ هذا الحكم من الصحابة الكرام إذ أنه لم يأخذ العلم إلا من كبارهم ولا شك أن الصحابة أخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم

وقال ابن أبي شيبة في المصنف 16668- حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ , عَنْ مَغْرَاءَ العبدي , عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ دُفٍّ , فَقَالَ : الْمَلاَئِكَةُ لاَ يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ دُفٌّ.

مغراء هذا روى عنه الأعمش وأبو إسحاق ويونس والحسن وليث بن أبي سليم وهذا يقوي حاله جداً خصوصاً وأنه يروي خبراً مقطوعاً

وشريح هذا قاضي عمر وعثمان وعلي وهو تابعي كبير فلا شك أنه أخذ هذا الحكم عن كبار الصحابة الذين أخذ عنهم
وهذا هو حال الدف الذي يرخص في العرس فكيف بما دونه ؟

فلو لم يكن في تحريم المعازف إلا هذه الآثار الثلاثة لكانت كافية عند من لم بصيرة وتعظيم لفقه السلف فكيف بالنصوص الأخرى المتكاثرة وأقل الباب تركها ورعاً ولعمري هي محرمة البتة

قال ابن أبي خيثمة في تاريخه 3574- ودفع إليَّ علي بن الْمَدِيْنِيّ كتاب أبيه بخط أبيه فرأيت فيه: قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ: أَتَىَ شُعْبَة بن الحَجَّاج المِنْهالَ بن عَمْرو فسمع صوتًا فتركه؛ يعني: الغناء.

فشعبة هنا يهجر محدثاً من أجل أنه سمع الغناء من بيته

وهنا يقف الباحث العاقل ويعمل القرائن

فشعبة إمام من أئمة أهل الحديث وهو في كثير من الأحاديث يمكنه الوصول للنبي بواسطتين فقط

وكان فيه شره في الرواية والسماع على انتقاء حسن ، فإقدامه على ترك راو ثقة لا يكون من أجل أمر فيه شبهة أو بحث بل لا يكون من شيء ثبت عنده فيه أخبار أو آثار

والمرء لا يهتدي إلى جميع آثار الصحابة والتابعين في الباب إلا بكلفة ، وربما اهتدينا لبعض الآثار ولم نهتدِ إلى وجه الدلالة منها والسلف لهم فقه دقيق يخفى على كثير من المتأخرين ، والمتأخرون معترفون بفضل السلف عليهم ألا تراهم يعمدون إلى بعض الفقهاء في زمن السلف ويقلدونهم ، فتأتي هذه الآثار لتشير لك إلى وجود ما قد يخفى عليك فيجب عليك التأني والتؤدة وعدم البت بالجواز لمجرد أنك اتبعت منهجاً معيناً في التعامل مع الأخبار المرفوعة يصطبغ بشيء من التعنت ، وبعض الآثار عن الصحابة ربما لا تبلغك إلا بأسانيد ضعيفة ويكون لها أسانيد صحيحة مخفية في بعض الأجزاء أو يكون ضعف الخبر مما يحتمل عند المحدثين لقرائن عندهم

فحين نرى راوياً يهجر الزهري على إمامته لأنه يخضب بالسواد فهذا يعني أن البحث في جواز هذا الفعل _ أعني الخضاب بالسواد _ ينبغي أن يكون أكثر تحفظاً وتأنياً ، وبعيداً عن النفس الظاهري ( ضعف أحاديث الباب ثم قل الأصل كذا وكذا وهو خلاف الأحاديث )!

وإن كان الأمر في الخضاب أهون منه في الغناء والمعازف وقد أفسدت أبحاث ابن حزم الخبيثة في هذا الباب جبلاً كثيراً

ولنأخذ مثالاً آخر

قال الطبري في تفسيره حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) فلبسها عندنا ابن عون قال: ولبسها عندنا محمد قال محمد: ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
حدثني يعقوب قال ثنا هشيم قال أخبرنا هشام عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله (قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.

وهذا إسناد صحيح إلى عبيدة السلماني

فهو من هو عبيدة السلماني ؟

هو تابعي مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وقد صلى في حياة النبي في ناحيته فقد كاد أن يصير صحابياً

وكان علمه في القضاء يوازي علم شريح بل كان شريح إذا استشكل يرسل إليه
و كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون و يفتون
و كان شريح إذا أشكل عليه الشىء قال : إن ها هنا رجلا فى بنى سلمان فيه جرأة ، فيرسلهم إلى عبيدة

أضف إلى هذا أن أصح الأسانيد عن علي ما رواه ابن سيرين عن عبيدة عن علي

هذا التابعي المخضرم يتكلم هنا في التفسير والتابعي إذا تكلم في التفسير فإن قوله يصير أقوى لسببين

الأول : أنهم كانوا يتورعون عن الكلام في القرآن بالرأي تورعاً شديداً وكان من يفعل ذلك يظهر ذمه ولهذا كان عدد من أعيان الفقهاء كابن المسيب يجبن عن الكلام في التفسير

الثاني : إذا كان التابعي متتلمذاً على صحابي مختص بالتفسير وتكلم بالتفسير بأمر يبعد عن الرأي كان غالب الظن أنه حمله عن هذا الصحابي كما قدمنا في تفسير مجاهد

وعبيدة سمع من علي وابن مسعود

ويزداد هذا الظن قوة إذا لم يرد عن الشيخ نفسه أو بقية التلاميذ ما يعارض

وقد اعتضد خبر عبيدة هذا بالمروي في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهي صحيفة قوية فيها مناكير غير أن ورود هذا الخبر من طريق عبيدة يقوي الظن بالرواية هنا



وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (4-156) : ومن تأمل كتب الائمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي . ا.هــ -

وهذا للقرائن السابق ذكرها

وقد نص الترمذي علىة أن قتادة ومجاهداً لم يفسرا هذا التفسير من قبل أنفسهما فكيف بعبيدة وهو أكبر وأقعد بالعلم


وقال شيخ الإسلام في أجوبة الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية ص16 :" ثم نعلم أن الصحابة إذا كانوا حفظوا فالتابعون لهم بإحسانٍ الذين أخذوا عنهم وتَلقَّوا منهم لا يجوز أن يكونوا عَدَلوا في ذلك عما بلَّغَهم إيَّاه الصحابة، لا يجوز ذلك في العادة العامة، ولا في عادةِ القوم وما عُرِف من عقلهم ودينهم، مع ما علموه من وجوب ذلك عليهم في دينهم"

وقال الدارمي في الرد على المريسي ص594 :" وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثِرُونَ عَنْهُمْ بِالْأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثِرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ أَلْزَمَ مِنْ آرَاءِ من بعدهمْ، للاسم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: "وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ" فَقَالَ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ"


تأمل هذين النقلين جيداً

أضف إلى جميع القرائن السابقة أن عبيدة هنا يحكي واقعاً عملياً يشاهده أمام عينيه وقد علم أن الصحابيات كن يغطين وجوههن حتى في الحج فهل فعلن ذلك على الإيجاب أم الاستحباب

هنا عبيدة ينزل الآية على فعلهن

ولهذا حمل ابن تيمية ما توهم مخالفته لأثر عبيدة هذا مع ما روي عن ابن عباس في صحيفة علي بن أبي طلحة على الناسخ والمنسوخ واعتبر هذا المتأخر باعتبار نزول الآيات ، وغيره حمل جواز كشف الوجه والكفين على عورة الصلاة دون الخروج

وهذه المسألة بحثها يطول غير أنني أردت التنبيه على ما يغفل عنه كثيرون عند بحث هذه المسائل

ويغتر ببعض شقاشق الظاهرية فإذا أتيتهم بتفسير تابعي أو فتيا أقرها الناس قالوا لك ( الحجة في الكتاب والسنة )

وهذه كلمة حق إلا أن اتباع القوم من اتباع الكتاب والسنة بالتفصيل الذي ذكرنا ونبهنا عليه"

الثالثة : العجلة في الحكم على أمور بالبدعية دون استيعاب الآثار

فمن ذلك القول ببدعية الزيادة على أحد عشر ركعة في التراويح ويلزم من ذلك الحكم على كل التابعين والمذاهب المتبوعة والمسلمين أحد عشر قرناً أنهم تواطؤا على  البدعة

والقول ببدعية تجمير الكفن وفيه آثار عن السلف بل ثابت عن بعض الصحابة

والقول ببدعية الموعظة عند القبر وقد ثبت عن أبي أمامة في الزهد لابن المبارك

والقول ببدعية تقبيل الرأس كما قال الألباني في بعض أشرطته وقد صح أن سعيد بن جبير قال ( لو أذن لي ابن عباس لقبلت رأسه ) وهذا الفعل كثير جداً عند السلف دون نكير

والقول ببدعية الصلاة بعد العيد وقد ثبت عن جمع من الصحابة

والقول ببدعية السلام مرة واحدة كما ذهب إليه ابن باز لما قرأ تضعيف الأئمة لحديث التسليمة الواحدة وفاته أن هذه التسليمة ثابتة عن الصحابة ونقل ابن المنذر الإجماع على جوازها

وكذا القول ببدعية ركعتين قبل السفر وتحري الجمعة لتقليم الأظافر وكله ثابت عن السلف

وكذا القول ببدعية التعريف بالأمصار وهو ثابت عن جمع من السلف

وكذا القول ببدعية قراءة يس عند المحتضر وقد ثبت هذا الفعل عن صحابي ونقل ابن القيم الاتفاق على جوازه

وكذا القول ببدعية تحري العمرة في رجب وفيه آثار عن السلف لما قرأها ابن باز في لطائف المعارف لابن رجب أفتى بعدم بدعية هذا الفعل وأحسن في ذلك

وكذا القول ببدعية تسمية العمرة ( الحجة الصغرى ) وقد صح هذا اللفظ عن ابن عباس

وكذا القول ببدعية المسح على الوجه بعد الدعاء وقد صح عن الحسن البصري وغيره من السلف وهذا من أهون ما عند المعاصرين لأنه سبقهم إلى هذا مالك وسفيان ولم يقل أحمد ببدعيته للآثار

وكذا القول ببدعية الدعاء بعد الدرس وقد قال بهذه البدعية بعض أئمة الدعوة وتبعته زمناً حتى وجدت أن عبيد بن عمير كان يدعو في مجلس قصصه وابن عمر بين يديه ووجدت أن الحسن البصري كان يتحرى ختم مجلسه بدعاء ولم ينكر ذلك أحد فظهر عدم بدعيته

وكذا مسح الوجه بعد استلام الحجر الأسود ثبت عن ابن الزبير

وكذا شرب الماء في النافلة ثبت عن ابن الزبير وبه أفتى أحمد

وقد وقع من بعض أعيان السلف إنكار بعض الأمور التي ثبتت بها الأخبار أو الآثار كما وقع من بعضهم إنكار حكم الإحداد وكما وقع من مالك إنكار السجود على الحجر الأسود وهو ثابت عن ابن عباس غير أن المشكلة في المعاصرين أن هناك ضعفاً ظاهراً بالعناية بآثار من سلف يظهر أثره في أقوالهم في التفسير والعقيدة وكل باب وليس فقط الفقه

مع جرأة ظاهرة على الحكم بالبدعية مع ضيق بحث فالعالم من السلف كان يقضي حياته في الطلب والتنقيب وجمع الأحاديث والآثار فيقع له التوهم أنه لا يوجد في الباب أخبار لما لم يقف فيكون معذوراً في وقوفه مع الأصل مع كونه بالغ في البحث عن الأحاديث الآثار

وطبقة أحمد وإسحاق قد جمعوا علم من سبقهم فلم يكد يفتهم شيء وأقاموا الحجة على من جاء بعدهم فتنكب كثير من المعاصرين عن هذه الطريقة وركن إلى طريقة ظاهرية والاكتفاء إلى حد كبير بأحاديث البلوغ والمنتقى والافتاء بالمشهور عند متأخري المذهب من الآثار

وهناك عدد من الباحثين المعاصرين جيدون في باب السنة والبدعة وما عندهم عجلة منهم عبد العزيز الريس وعبد القادر الجنيد فهذان الرجلان على ما بيننا من الاختلاف إلى أن الحق يقال فيهم تؤدة في هذا الباب وبحث في الآثار

ونجد جمهرة المعاصرين مع حكمهم بالبدعية على أمور ثبتت عن السلف بل بعضها تواردت عليه الأمة قرون ، تراهم يقرون بدعاً كالتفريق بين التراويح والقيام وكذا القنوت في أول خمسة عشر ليلة من رمضان والذي يمنع منه مالك والشافعي وأحمد

الثالث : عدم فهم مآخذ الفقهاء في صرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب

للفقهاء نظر دقيق يجعلهم يحملون أوامر ظاهرة من الوجوب إلى الاستحباب لا يفهمها كثير من المعاصرين ويركنون إلى اتباع الأصل في أن الأوامر للوجوب

فعلى سبيل المثال صرف الفقهاء الأمر بالوليمة عن الوجوب بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أولم ولو بشاة ) ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه أولم بأقل من شاة واتفقوا على جواز الإيلام بأقل من ذلك فدل على عدم وجوب الأمر كله

وأيضاً على سبيل المثال صرفوا الأمر بالنكاح عن الوجوب بأن الله عز وجل خير بينه وبين التسري والتسري ليس واجباً باتفاق ثم إنه أمرٌ معلل بعلة معقولة وهي الشهوة والشبق وتفاوتها ظاهر بين الناس وقد اتفقوا على أنه في حال الخوف من العنت يجب الزواج مع القدرة ولكن البحث في غير ذلك بل إن الشافعي استحب لمن لضعيف  الشهوة أن يتفرغ لغير الزواج لأن الله عز وجل مدح يحيى بن زكريا بأنه حصور

وباب الصوارف عن الوجوب من أدق أبواب الفقه وقد ولج كثير من المعاصرين في خرق إجماعات لما لم يفقوه

كقوله مراد شكري ولعل شيخه الألباني كذلك بوجوب السحور وقد نقلت إجماعات على استحبابه دون الوجوب وصرفوه بعدة صوارف منها جواز الوصال ، والعجب من الحجوري يقول بوجوب السحور ولا يقول بحرمة الوصال بل يقول بكراهيته فحسب ولو كان السحور واجباً فالوصال محرم

وكقول الألباني وغيره بوجوب تحية المسجد والإجماعات منقولة على الاستحباب وعدم الوجوب وقد ذكر ابن عثيمين فصلاً نفيساً في الشرح الممتع في الصوارف التي صرفت هذا الأمر عن الوجوب وقد سمعت الألباني في بعض أشرطته تنقل له بعض استدلالات ابن عثيمين فيسخر منها وأنى له ذلك ولا يبلغ مبلغ ابن عثيمين في الفقه إذا دقق النظر في بعض المسائل دون مؤثرات خارجية وكان البحث في المرفوعات

بل أقبح من هذا القول بوجوب النزول على اليدين ووجوب الإرسال بعد الركوع وهذه مقالات فجة مع مخالفتها لاتفاق الأمة وقد أحدثت فرقة وفتناً ثم يأتي من يدعي أن نشر قول السلف في أبي حنيفة يسبب الفتنة وهم عاكفون على أسبابها من التشديد في المحدثات

وكذلك إيجاب سجود السهو على المأموم وهو قول بعض الزيدية والإجماع منعقد على أنه لا سجود عليه نقله ابن المنذر وغيره وكان الحجوري قد جنح لقول الزيدية في تعليقه على سبل السلام بعد أن عبث بحث الصنعاني بعقله وما أضعفه أمام بلايا الشوكاني والصنعاني  وقد كتب تلميذه خالد الغرباني بحثاً نصر فيه الإجماع وأحسن الرد على شيخه دون تسمية

وأيضاً في مسألة النهي عن تختم الرجل في السبابة والتي تليها اتفقوا على أن المرأة غير داخلة في هذا لأنها جاز لها الذهب وغيره فأحكامها في اللباس مختلفة ولم يفطن بهذا بعض المعاصرين

وأيضاً في حديث قتل شارب الخمر في الرابعة ذهب أحمد شاكر إلى عدم نسخه وهو منسوخ بالإجماع الذي نقله الترمذي ودليل النسخ حديث الصحابي الذي قيل فيه ( ما أكثر ما يؤتى به )

وأيضاً التسوية بين الأضحية والعقيقة اتفقوا عليها في الأحكام فلا تجزي العوراء ولا العرجاء ولا العجفاء في العقيقة وقد نقل الترمذي الاتفاق على هذا  بجامع النسك وغالب في هذا بعض من يميل للظاهرية من المعاصرين 

وكذلك الإجماع على عدم وجوب صلاة العيدين على النساء فالمقصود من الخروج التكثير وهو غير الصلاة بدليل أمر الحيض بالخروج وهذا المعنى ليس واجباً وإنما هو معنى كفائي كأمر الجهاد وكذا هو في عموم المصالح العامة الذي لا يدخل فيها معنى الخصوص كأمر الصلاة الواجبة على الرجال فوجوب الجماعة والجمعة على الرجال لاعتبار خاص فيهم والجمعة وهي آكد من العيدين على الرجال لا تجب على النساء فكيف بالعيدين

والصوارف عن الوجوب يستحق أن يفرد ببحث خاص

الرابع : عدم استيعاب الفروق الفقهية

الواقع أن كلام الفقهاء لكي يفهم يحتاج إلى ممارسة طويلة ولهم في كل باب كلام حمله على الباب الآخر يحدث فساداً عريضاً

على سبيل المثال للفقهاء كلام في عورة المرأة في الصلاة وكلام آخر في عورتها في الخروج وكلام في عورتها للخاطب وكلام في عورتها أمام محارمها

فحمل كلامهم في أحد الأبواب على الأخرى يحدث فساداً وقد اعترض التويجري على الألباني بأنه يأتي بكلام الفقهاء في عورة المرأة في الصلاة وينزله على عورة الخروج

ومثال آخر الخلط بين أحكام الأسير وأحكام القصاص لرجل تحت حكم المسلمين ، كما حصل في حادثة حرق الطيار الأردني وقد دفعوا الإجماعات التي ذكرها البغوي وغيره على حرمة حرق الأسير بكلام قاله بعض الفقهاء في باب القصاص

والبابان مختلفان فالقصاص أمره يرجع إلى أولياء الدم وأما الأسير فباتفاق أمره راجع إلى ولي الأمر وهو مخير بين قتله والمفاداة به والعفو عنه بحسب المصلحة

فهذا الفرق كاف ومعه غيره في الدلالة على أن أحكام أحد البابين لا يحمل على الآخر

ومثال ذلك أيضاً أن الكافر في كتب الفقه له أصناف فهناك كافر حربي وكافر ذمي وكافر مستأمن وكافر معاهد وهذه الأقسام كلها متعلقة في الذي شأنه القتال ومن يمكن أن تؤخذ منه الجزية

وأما الكفار الذين لا يقتلون بحال كالرهبان والنساء والأطفال فلا يدخلون في هذا إلا إذا ظهر من الراهب أو المرأة سب ظاهر للنبي أو تحريض على القتال

فيأتي من يدخل هذا على هذا ويجعل الأصل في الكفار حل الدم مطلقاً

وقد نص أحمد في مسائل عبد الله على أن المسلم إذا دخل بلاد الكفار بأمان لم يجز له القتل ولا السبي

وهذا الحكم لا ينطبق على مسلم خادع الكفار ودخل بلدهم لأجل قتل شخص يظهر السب للنبي صلى الله عليه وسلم كما فعل محمد بن مسلمة مع بعض عتاة الكفار

والناس جفاة وغلاة يخلطون في هذه خلطاً بيناً

وكذا هناك فرق بين أن يقول الرجل للرجل ( إذا دفعت عاجلاً فلك بكذا وإذا دفعت آجلاً فلك بكذا ) ويفترقان دون أن يحدداً إحدى الصفقتين فتكون بيعتين في بيعة وبين أن يقول له ( إذا أردتها آجلاً فهي لك بكذا وإن أردتها عاجلاً فهي بكذا فيقول المبتاع أريدها عاجلة ويفترقان وقد اتفقا على أن يكون الدفع آجلاً ) فهذه لا يمنع منها أحد وقد خلط الألباني بين الأمرين وبنى على ذلك فتياه المعروفة في حرمة بيع التقسيط وقد رد عليه حمد العتيق رداً قوياً وأثبت الإجماع على خلاف قول الألباني

بل إن التقسيط له نظير في الشريعة وهو المكاتبة فالعبد يشتري نفسه من سيده على حصص يدفعها له تقسيطاً وقد تعامل بها السلف وهي محل إجماع بل فعلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره بل هذه هي صورة المكاتبة المشهورة عندهم

وهناك فرق بين قرض جر نفعاً على جهة الاشتراط وبين شخص أرجع الدين ثم زاد عليه من طيب نفس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم

وقد خلط الألباني فاستنكر حديث ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا ) بحجة حديث أنه كان يقضي ويكافيء ولفظ حديث ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا ) عليه إجماع وعليه آثار كثيرة ولا تعارض بينه وبين الحديث أصلاً

وهناك فرق بين مسألة المسافر الذي يقيم في بلد ولا يدري متى ينتهي شغله بها حتى يرجع لبلده ومتى ما انتهى شغله رجع يقول ( اليوم غداً اليوم غداً ) فهذا يقصر أبداً باتفاق فرق بين هذا وبين شخص عزم على الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام في قول أو على عشرين يوماً في قول آخر فهذا يتم بعد أن يتجاوز المدة المحددة فخلط بين المعاصرين في هذه المسألة كابن عثيمين وجاءوا بقول غريب حتى أن الحجوري مع ميله للظاهرية غضب من هذا المذهب ووصفه بالشيطاني لأنه صدم من شباب يبقون العام والعامين يقصرون وبعضهم يترك الجمعة فاستبشع الأمر جداً ومال لقول الحنابلة في المسألة مخالفاً لظاهريته المعهودة

وعامة من ينظر في كلام الفقهاء في الأبحاث فحسب مع إدمانه النظر في كتب الظاهرية كالشوكاني والصنعاني يقع له مثل هذا كثيراً 

وكذلك الفقهاء في مسألة الخضاب بالسواد كالمتفقين على أن الخاطب إذا خضب ليغرر بالمخطوبة أن ذلك منهي عنه 

وأن المجاهد يجوز له الخضاب بالسواد لإرهاب الكفار باتفاق ( وقد نقل الاتفاق ابن حجر في شرح البخاري وراجعته في كتب الفقه فوجدت الأمر كما قال )

والخلاف فيما سوى ذلك  وكثير من الأبحاث العصرية لا تفرق بين هذه وتجعل الجواز مطلقاً والحرمة مطلقة 

وكذا الغناء حتى من أجازه من الظاهرية كابن حزم فإنه يحرم التلذذ بنغمة الأجنية فقد نقل ابن حزم الإجماع في كتابه طوق الحمامة على حرمة التلذذ بنغمة الأجنبية وكثير من المعاصرين الذين يتكئون عليه لا يفرقون 

وقد قال بعض الكوفيين بجواز بقاء المرأة التي أسلمت على ذمة زوجها الذمي الكافر بشرط أن يكون ذمياً ولا يخرجها من دار هجرتها فجاء عبد الله الجديع وعمم هذا الحكم حتى على ديار الكفر التي اتفق الفقهاء على عدم جواز نكاح المسلم للكافرة فيها فضلاً عن غيره ولم يعِ القيود والفروق وما أتي إلا من سوء قصده 

وكثير من المعاصرين هربوا من العصبية المذهبية إلى الظاهرية  وقد كنت أشد الألباني الذي كان حنفياً ثم ترك التحنف وأقبل على تعلم الحديث ورد عليهم في مسائل كثيرة جداً وشدد فيهم الكلام في مواطن عديدة هو أكثر المعاصرين ميلاً لابن حزم ففوجئت بمحمد تقي الدين الهلالي الذي كان تجانياً مالكياً ثم مال إلى الحديث ولكنه مع نفس ظاهري حتى لأنه بحث في مسألة السفر وتحديد المسافة فما زاد على النقل عن ابن حزم وقد أثنى الهلالي في كتابه سبيل الرشاد على بعض أمراء المغاربة حين أحرق كتب الفقه المالكي ! وقوله هذا ينبغي أن يكون عند المعاصرين أشد من المقالة المنسوبة للحداد  وهذا محمد خليل هراس الذي كان أشعرياً شافعياً لما ترك هذا مال للظاهرية الصرفة ورأيت له كلاماً في نفي القياس ، وأيضاً مقبل الوادعي والذي سمعته يقول بأن الألباني نصحه بكتاب الإحكام لابن حزم وطلب منه ألا يصير ظاهرياً كابن حزم غير أن الوادعي نفى القياس مدة من عمره 

 والوادعي له جهد في أربع مسائل تميز فيها عن أكثر أهل طبقته

الأولى : الموقف من محمد رشيد رضا وقد بين اعتزاله بما نفعنا الله به حيث إذا نظرنا إلى كلام رشيد رضا استنكرناه ابتداءً فكيف إذا خالف السلف

الثانية : الموقف من أبي حنيفة وله في ذلك كتاب مفرد وكان من أوائل من فتح عيني على هذه المسألة

الثالثة : الموقف من الانتخابات والاختلاط والتوسع غير المرضي في المصالح

الرابعة : علم علل الحديث وقدر علماء العلل وله رد على علي رضا في هذا أجاد فيه وكذا كتابه أحاديث معلة رفع فيه منار طريقة الأوائل

ومن أكثر من انتفعت بكلامهم من أهل طبقته في هذا الوادعي

ولكنه أفسد هذا بتخطباته العقدية والفقهية والتي عرضنا لكثير منها في التقويم ، وكان قد ساهم في انتشار أقواله ككل تواضعه الشديد وجلده في الدعوة ، وقد حمل هذا كله عنه تلميذه الحجوري وليس كشيخه في التواضع ولا الموقف الحازم من الحكام وإن كان أوسع علماً من شيخه بكثير ، وما يذكره عرفات المحمدي وأضرابه من أن تخريجات الوادعي أنفع من تخريجات الحجوري هذيان مضحك يدفعهم إليه الحسد فالرجل ظاهر التفوق على شيخه وهو قوي في علم العلل وذاكرته قوية واستحضاره مذهل

غير أن له جلافة في الظاهرية وردود المدخلي عليه في الأذان العثماني بعضها جيد غير أن طريقة المدخلي في التعامل مع الآثار حيث ضعف أثر ابن عمر في إنكار الأذان العثماني وضعف أثر الشافعي في تكفير تارك العمل وضعف أثر عبد الله بن شقيق في تكفير تارك الصلاة وضعف آثار ينقص حتى لا يبقى منه شيء ، وهذا منهج كارثي في التعامل مع الآثار وضيق فقه فإنه متى ما ضاقت مداركه في توجيه خبر ما يعارض مذهبه لجأ للتضعيف وللكلام على هذا موضع آخر

وليعلم أن كثيراً من المعاصرين ضعفت عنايته بالفقه لأن فيه شعبة من الخوارج أو أهل الكلام

فإن هذين الفريقين أقل الناس بحثاً في الفقهيات فأما الخوارج فلأنهم يكفرون خيار العلماء بمسائل ابتدعوها فأورثهم ذلك زهداً في العلماء ، وعجباً أغناهم عن كثير من التعلم وهذا نراه في الغلاة اليوم كثيراً حتى أن بعضهم يأتي إلى أعيان العلماء الأذكياء الذين شهد لهم المخالف قبل المؤالف بحسن التصنيف وقوة الذكاء ودقة النظر ويجمع له أخطاء يسيرة في العدد وبعضها توهمات منه ويتعملق عليه ويصغره ويتنسك الشاب أو الأعجمي فيتعلم مسائل معدودة يكفر بها الأولين والآخرين ويتعملق عليهم ويزهد في علمهم زهداً عظيماً لا يفرق بين جهمي صرف وموحد بل رجل من اعيان الموحدين ممن قضوا أعمارهم في نصرة وبيانها ووقع لهم زلات

وكثير منهم ترى ما عنده من العلم إنما فاز به لما كان مرجئاً أو ممن يسميهم بالمرجئة فهؤلاء أعظم حثاً على العلم وتوقيراً للعلماء حتى الذين يخالفونهم في طريقتهم بل يدعون على كثير من العلماء موافقتهم ليستفيدوا من صيتهم وليسوا كذلك

وأما الغلاة فيحثون على العلم ثم ينسفون عامة العلماء ثم تراهم يصغرون بعض الأئمة الذين لا يقوون على تبديعهم كأحمد لما رأوا له كلاماً يخالف طريقتهم فيبقى تابعهم ضعيف النفس في التعلم والبرامج التي وضعها بعضهم لا تفي بغرض تكوين ملكة فقهية أو ملكة في علم الحديث تجعل المرء يفهم تمام الفهم ويقرب من منزلة أعيان الفقهاء كأحمد وإسحاق

ولهم فتاوى واختيارات غريبة ومسة ظاهرية وإن كانوا من أكثر الناس إنكاراً على الظاهرية

فمن ذلك فتيا الحداد للرجل يعيش في السعودية وامرأته في مصر سنين ألا يقدم إلى مصر بحجة أن مصر بلاد بدعة وشرك ومصر حقاً كذلك ولكن أن يترك المرء زوجته وولده لوحدهم في مثل هذا أعظم لفتنتهم والمفضول يعرض له ما يجعله فاضلاً

قال البخاري في صحيحه 3006 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»

فهذا ترك الجهاد مع النبي ليحج مع امرأته بأمر النبي صلى الله عليه وسلم والرفقة في الحج في زمن الصحابة خير مئات المرات من حال الناس اليوم خصوصاً في مثل مصر أخلاقاً وعقيدةً

ومن ذلك كلامهم العجب في وجوب صلاة الجماعة خلف أهل البدع المعاصرين مع وجوب إعادتها أيضاً فإن خالفهم مخالف لمحوا عليه بموافقة الخوارج وتعطيل المساجد

وفي السنة للالكائي :" قَالَ شُعَيْبٌ: فَقُلْتُ " لِسُفْيَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: «الصَّلَاةُ كُلُّهَا؟» قَالَ: " لَا , وَلَكِنْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ , صَلِّ خَلْفَ مَنْ أَدْرَكْتَ , وَأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ , لَا تُصَلِّ إِلَّا خَلْفَ مَنْ تَثِقُ بِهِ , وَتَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ"

وفي المدونة :" ِ قُلْتُ: أَفَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ تُجْزِئُنَا الصَّلَاةُ خَلْفَ هَؤُلَاءِ الْوُلَاةِ وَالْجُمُعَةُ خَلْفَهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا خَوَارِجَ غَلَبُوا أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَالْجُمُعَةِ خَلْفَهُمْ؟
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَلَا تُصَلِّ خَلْفَهُ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مَنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
قُلْتُ: أَفَسَأَلْتُهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ؟
قَالَ: مَا اخْتَلَفَ يَوْمئِذٍ عِنْدِي أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ سَوَاءٌ"

وجاء في المدونة أيضاً :" وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَدَرِيِّ؟ قَالَ: إنْ اسْتَيْقَنْتَ أَنَّهُ قَدَرِيٌّ فَلَا تُصَلِّ خَلْفَهُ، قَالَ: قُلْتُ: وَلَا الْجُمُعَةَ؟
قَالَ: وَلَا الْجُمُعَةَ إنْ اسْتَيْقَنْتَ، قَالَ: وَأَرَى إنْ كُنْتَ تَتَّقِيهِ وَتَخَافَهُ عَلَى نَفْسِكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَهُ وَتُعِيدَهَا ظُهْرًا قَالَ مَالِكٌ: فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِثْلُ أَهْلِ الْقَدَرِ. قَالَ: وَرَأَيْتُ مَالِكًا إذَا قِيلَ لَهُ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ يَقِفُ وَلَا يُجِيبُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى فِي ذَلِكَ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ"
فمالك يمنع حتى من الجمعة والأكثر يخالفونه غير أنني أردت بيان أن المسألة ليست بالضيق الذي يضيقون وهناك فارق بين المستور وبين المجزوم بوقوعه في بدع مكفرة فلا ينزل هذا على ذاك 

وقد رأيت بعض سفلة الغلاة جمع ما خالف فيه الألباني الإجماع في الفقهيات وقد انتفع بجهود غيره انتفاعاً عظيماً واعترف بذلك غير أنه لم يخلِ المقام من شتمهم واتهامهم أنهم يريدون ما عند الناس ولو لم يكن وضيعاً لما صدر منه هذا فهو نفسه كان قبل أعوام قليلة كعامتهم ويباهل على ذلك وكثير من طلبة العلم يبدأ في الطلب ويترقى ويتنبه لبعض شذوذات المعاصرين فكتب فيها مع تحسينه للظن بالجملة فيهم وعدم تفطنه إلى ما بينهم من الاختلاف اغتراراً بالشهرة العامة فليس كل من لان مع من ليس أهلاً أو لم يستخدم الشدة التي تريد يريد ما عند الناس وعبثاً نحاول أن نفهم هؤلاء أنك ما أجحفت مع الناس أجحفوك ولا بواكي لك إذ عوملت بالمثل 

وقد كان الخوارج على مر الزمان من أقل الناس رواية للحديث والفقه والمرجئة أكثر منهم في ذلك وذلك لاشتغال الخوارج بأمر القتال ولازدائهم لعامة العلماء وعلى رأسهم عثمان وعلي

ومن نبغ من الخوارج الإباضية وهم أكثر الخوارج علماً وفقهاً والسبب في ذلك أنهم يعاملون المخالفين في الدنيا معاملة المسلمين فهم أكثر الخوارج تقية فحصل لهم نفع في ذلك

قال الطبري في تفسيره  7701- حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا مسلم قال: حدثني يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال، حدثنا أبي قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية:"وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، قال: هم الإباضية

وإنما خصهم أبو الجوزاء بالذكر لأنهم أهل تقية

وقد عظمت الفتنة بفقهاء المرجئة أكثر من الخوارج ولذا بدعة أهل الرأي اشتد فيها السلف لأنها تشويه لعلم الخاصة

فإن الفقه كان علم أهل الحديث قد ألجأ الله الناس إليهم فيه حتى أن الحجاج لم يقتل الشعبي لما احتاجه في العلم ، فصارت كلما ظهرت بدعة قال الناس لنسأل الذين يفتوننا بالحلال والحرام والفروج والدماء فيجدون الجواب عند أهل الحديث كما فعل الناس لما ظهرت القدرية

وكان علماء الحديث المتوسعون في الفقه هم الذين يردون على أصحاب الفتن ولذا لما كان أحمد أعظم عناية بالفقه وأخبار الزهاد من ابن معين وابن المديني ظهر له فضله عليهما في المحنة صبراً وهذا استفاده من أخبار الصالحين وفقهاً وهذا استفاده من صحبة الفقهاء

ولما كان للفقهاء العارفين بالحلال والحرام الممارسة العظيمة للنصوص لم يطمع صاحب هوى أن يستخرج هواه من النصوص وهم أحياء فهم يبينون وجه استدلاله وموطن الغلط فيه ويذكرون له من الأخبار ما يدفع هواه ويرده خائباً

وأما التي نراها اليوم من أناس كل عملهم التنبيش أو التركيز على مسائل معدودة لا يتكلم في غيرها لداعي مغايظة بعض المعاصرين فهذه لم تكن حالاً لأحد من أئمة الهدى قط

وبعضهم إذا قرأ هذا غضب وقال أنا تكلمت في كيت وكيت

والواقع أن كلامهم في غير بعض المسائل المخصوصة كتكبيرة الحارس والحيز الأعظم لبعض الأمور فحسب وعليها معقد الولاء والبراء ولا يمدح الرجل ولا يذم إلا بها وعليها

وأحمد مع زهده واعتزاله للناس وما حصل له في المحنة فتاويه في الفقه تملأ المجلدات وفعلاً النظر في الفقه يعين على النظر السديد في العقيدة فإنه رقة في الطبع ودقة في النظر

وأما أهل الكلام فبعدهم عن الفقه لكثرة شكوكهم التي اورثهم النظر في الكلام إياها فصاروا ينظرون لهذه الفروع على أنها متولدة عن أصل متردد في إثباته أو يحتاجون إلى إطالة في ذلك فلم تقوَ نفوسهم إلى طول النظر فيه إلا على جهة التقليد ، وجاء من عكس الأمر من المتفقهة فقلد المتكلمين في العقيدة لما لم يفهم طريقة المحدثين في أصول الدين ثم تراه يطيل النظر في الفقه والحديث كطريقة ابن عبد السلام وابن حجر والنووي على تفاوت بينهم غير أن الكلاميات قد أثرت سوءاً عليهم حتى في أبواب العلم الأخرى

وفي المعاصرين أقوام جمعوا بين طريقة المحدثين في العلل وطريقة الظاهرية في الفقه وهذا كالوادعي والحجوري وسليمان العلوان والأخير متوسع في الحكم على الأمور بالبدعية حتى أنه قال ببدعية صيام الاثنين والخميس لما ضعف الأحاديث في الباب وقد صح عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتحراه وما أنكره عليه أحد بل هي سنة مشهورة عند السلف ، وقال ببدعية صيام الأيام البيض لما ضعف الأحاديث في الباب وقد صح عن عمر أنه كان يصومها !

وقد عصم الله غيره بالتناقض !

فلما كانوا لا يسيرون على طريقة أهل الحديث في العلل صححوا هذه الأخبار ولم يخرقوا الإجماع

ومن أسوأ الجامعين بين طريقة أئمة العلل وطريقة الظاهرية عبد الله الجديع في أبحاثه التي تنضح بالهوى في الغناء وإتيان المرأة في الدبر ، وقد قال ابن عباس في إتيان المرأة في الدبر ( هذا يسألني عن الكفر ) ووصف فعل بالكفر أمر خارج عن القياس فهو مرفوع حكماً

والجديع ليس من بابتنا في هذه السلسلة فهو زنديق صرف وكلامه الأخير عن الديمقراطية وتحكيم الشريعة ردة صلعاء

ثم إن كثيراً من المعاصرين يمارسون الفتيا لمجرد تحرير بعض المسائل أو القوة في علم الحديث وتظهر منهم عجائب

وقد ظهر شيء اسمه فقه التيسير هو ناشيء عن الانهزامية والاستعمار الفكري وقام كثير من المعاصرين قومة حسنة في حرب هذا النوع مع تعظيمهم لأئمة الحيل !

غير أنك تجد أن عبد الله السعد الذي أحسن الرد عليهم في هذا جداً يخلط مسائل التيسريين المنحلين كالاختلاط وغيرها بمسألة الأخذ مما زاد على القبضة وهذا خلط قبيح فهذا أمر فعله عامة السلف بل ما نهى عنه أحد وما ذكره الطبري في تهذيب الآثار عن بعضهم من النهي عن الأخذ من اللحية مطلقاً لم يسم قائله وكيف تترك آثار الصحابة والتابعين وأئمة الفقه المعروفين إلى قول من لا يعرف ؟

والمسحة الظاهرية بادية على فتاوى كثير من المعاصرين وقد ألغي باب الورع تقريباً من فتاوى الكثيرين مع الأسف

وكثير منهم لا يفطن للحيل الربوية ويفتي بحلها ومن قرأ كلام ابن تيمية في التورق ودقق النظر في التورق المصرفي وجده منطبقاً عليه من باب أولى ومن نظر في حال البنوك علم أنها تسير في منظومة عالمية قائمة على الربا وأنهم يحاولون حمل الناس على هذه المعاملات بحيل يوحي إليهم بها شياطين الجن والإنس ويبيحها من ضعف فقهه أو ساء قصده

ولذا تجد أن بعض بنوك السعودية يضع في لجنة الإفتاء عنده يوسف القرضاوي وما يحملهم على هذا إلا علمهم المسبق بفتاويه وهذا تحايل قبيح وإلا لم يتركون كل المفتين الذين في بلدهم ويذهبون لهذا

ويوجد ضرب من طلبة العلم يترك كل الإجماعات التي تم خرقها وتجد همه الأبحاث في عدم وجوب صلاة الجماعة وجواز الإسبال وبمجرد أن يترجح عنده جواز الإسبال يسبل رأساً ولو لم يكن قد دب شيء من الخيلاء إلى نفسه لما كانت هذه العجلة إلى ذلك ، وجواز قيادة المرأة للسيارة وجواز كشف الوجه والكفين وكثير من هذه الأبحاث خضوع للواقع أكثر منها تحرير فقهي ومن شاهد حال النساء اليوم وموجة الإباحية والانحلال السائدة وكيف بدأت في الكلام عن خلافيات فقهية في جر الذيل وجواز كشف الوجه من عدمه علم الأمر على وجهه

وأعجبني عبد العزيز الطريفي في قوله أن القول بحرمة النقاب أو بدعيته لم يظهر إلا بعد الاستعمار وهذه لفتة دقيقة منه

ومن يرى تزامن هذه الدعوات مع انتشار العلمانية في البلاد ودعاوى التقريب والدعوة إلى عدم تكفير اليهود والنصارى وإلغاء الولاء والبراء علم أنها آثار بعضها من بعض

ومبنى التدين على معاكسة هوى النفس في رضا الله عز وجل لذا كان الجهاد والهجرة والصدقة براهين إيمان لما فيها من معاكسة هوى وكان أبعد الناس عن ذلك أهل النفاق

فالأبحاث الفقهية الموجهة فيما يسمونه بمواكبة العصر إن هو إلا نفاق بصورة جديدة

وأخيراً أود التنبيه على أن كثيراً ممن يدعى فيه العلم من المعاصرين الكبار في السن بالذات اطلاعهم ليس كما يتصوره الناس بل كثير منهم ظاهر أنه ليس على اطلاع واسع على فقه مذهبه فضلاً عن المذاهب الأخرى

وهناك طبقة من الباحثين الأقوياء والجيدين والذين لهم جلد في البحث فهم على كونهم على تميع المعاصرين المعروف لهم جهد في تجلية عدد من المسائل العلمية أو ممارسة في الفقه جيدة في الجملة وإن كان يعتريها ما يعتريها من نزوات المعاصرين العلمية كسعد الخثلان وعبد الله بن ناصر السلمي وهذا رجل له أوهام كثيرة في الأحاديث والآثار وتخريجها وسعد الشثري وهذا له اشتغال مبالغ به في علم الأصول ومع تحقيقه للمصنف تراه يخالف الآثار في مواطن عديدة ويغلط احياناً في نسبة المذاهب الأصولية لبعض الأئمة ولكنه له مهارة في بيان مقدمات الأقوال الأصولية وإن كان الأمر لا يخلو من تكلف أحياناً يحسبه الظمآن ماءً وهناك غيرهم

ممن عرف بالتصنيف الجيد في الجملة كعبد الله بن عبد العزيز الجبرين فشرحه على عمدة الفقه عني به بالآثار وبالإجماعات وبالمسائل المعاصرة وما خالف الإجماع فيما أذكر إلا في مسألة صرف الزكاة في بناء المساجد

وخلق ممن لا يحصيهم إلا الله وأما كثير من الباحثين المصريين كياسر برهامي وأضرابه أو أمثال عبد الرحمن عبد الخالق أو حتى ربيع المدخلي ومن في طبقته في العلم فهؤلاء ليس لهم نفس ونظر دقيق في الفقه

ومن رأى قلة المفتين في زمن السلف وكثرتهم في زمننا علم ما نحن فيه من البلاء 

وأما ما يسمى بالتيارات الجهادية فعلاقتهم بالفقه فيها ضعف ظاهر والكثير من أبحاثهم تحكمها المقدمة النفسية والنتيجة المسبقة وتحوير النصوص لأجل ذلك ، وأبحاثهم محصورة في أبواب معينة في الغالب ، هذا وإن كان كثير منهم له جهد عظيم في الذب عن حرمات المسلمين وإغاظة الكفار بالقتال ومنهم من أفسد هذا بتضييع العقيدة ومشايعة الجهمية الماتردية بل والديمقراطيين وإنا لله وإنا إليه راجعون 

وقد فاتني آنفاً التنويه بجهد عبد الله العبيلان في مسألة آثار الصحابة فهو له اهتمام بهذا الأمر وحث للناس على ذلك وقد تلقيت هذا الأمر عن بعض محبيه ثم قواه عندي بعض من كنت أحضر عندهم ممن يزعم اتباع السلف وهو بعيد عن طريقتهم في الدين والدنيا

حتى أن العبيلان كتب حاشية على الروضة الندية لصديق حسن خان دفع فيها عدداً من مخالفات القوم للإجماع وصرح بمباينة طريقة الشوكاني وصديق حسن وأنهم حرموا فقه الصحابة

ولما شرع الداني آل زهوي بجمع آثار الصحابة قدم له عبد الله العبيلان

ولما جاءنا للكويت اقترح على بعض منتسبي جمعية إحياء التراث جمع آثار الصحابة على أبواب بلوغ المرام وفعلاً قاموا بذلك في الطهارة والصلاة

غير أن العبيلان له تخبطات في العقيدة وأما في الحديث فرده على أحمد الخليل ينضح بالتعصب وضعف الديانة فعلى سبيل المثال أعل أحمد الخليل حديث مشي النبي أمام الجنازة بالإرسال وعامة الأئمة أعلوه بالإرسال بل الترمذي كأنه يشير للإجماع على ذلك وقد ضرب الألباني بكلامهم على الحائط فجاء العبيلان يرقع مدعياً أن مرسل الزهري قد اعتضد بموقوفات الصحابة المروية عن أبي بكر وعمر والمرسل إذا اعتضد بالموقوف تقوى

ومعلوم لصغار طلبة العلم أن مراسيل الزهري من أوهى المراسيل وأن مراسيل صغار التابعين لا تتقوى بالموقوفات وما كانت طريقة الألباني نفسه يقوي بالموقوف المراسيل ، ثم إن أثر ابن عمر وأثر أبي بكر وعمر نفسه مروي من طريق الزهري فهو نفس المرفوع المرسل ! فكيف يقوي نفسه ، ومراسيل الزهري في الأحكام تختلف عنها في السيرة

ثم إن الاستئناس بالمرسل شيء وتصحيحه مرفوعاً متصلاً شيء والعجيب أنه يأتي من كلمة من إرشاد الفحول للشوكاني يتعقب بها إعلالات الأئمة

ومن فرط خسته أنه لا ينقل كلام الخليل كاملاً الذي ينقل فيه كلام الأئمة الذين أعلوا الخبر

ورده على أحمد الخليل لو كان في زمن أبي حاتم وأبي زرعة وأحمد لربما أفتوا بتعزيره عليه

وللكلام على أمر الحديث مقام آخر يأتي إن شاء الله 

وخلاصة الكلام أن ما تميز به المعاصرون عن المذهبيين أفسدوه بهذه الأمور وتفوق عليهم المذهبيون في هذه الأبواب وسلموا المذهبيون الذين أخلصوا لمذهبهم من الانبطاح للتغريب أو شذوذات الظاهرية وإن كان عند أهل الرأي الأحناف من المقالات الخبيثة المخالفة للأحاديث والآثار ما يفسد هذه السلامة ويجعلها هلكة وأما المالكية والشافعية فهم مخالفون لأئمتهم إذ كان أئمتهم من أتبع الناس للآثار والأحاديث ولا يقدمون عليها شيئاً وأما الحنابلة فهم أعظم الناس سلامة خصوصاً إذا حرروا كلام أحمد وابتعدوا عن تحريفات بعض المتأخرين فقد كان الإمام مستوعباً للأحاديث والآثار مع ورع تام وذكاء امتزج بزكاء فأثمر علماً نقياً  

وقد كنت أظن قديماً أن كثيراً من المعاصرين المنتسبين للسلفية أهدى من كثير من التابعين في الفقهيات لسهولة وقوفهم على الأدلة وتعذر ذلك على الأوائل لصعوبة ظروف الرحلة قبل توفر الكتب الجامعة التي حوت خلاصات رحلات المحدثين 
غير أنني اليوم بعد البحث رأيت أنه لا يوجد في المتقدمين من السلف الصالح من خالف من الإجماعات مع تيسر العلم وسهولته ما فعله كثير من المعاصرين بل هذا الحسن بن صالح وهو معدود من أهل البدع كان له فقه ما خرق فيه من الإحماعات ما خرق كثير من المعاصرين وعامة الأوائل حتى المنسوبين للإرجاء والقدر والتشيع ممن وثقوا في الحديث كان لهم أدب مع الآثار السلفية وإجماعات الفقهاء لا نجده في كثير من المعاصرين ممن يدفع عشرات الآثار عن السلف في التفسير بحجة أنها اسرائيليات وينسب السلف للسفه ونشر البواطيل في الأمة والتواطؤ على ذلك ثم يتوج ذلك بشذوذات فقهية كثيرة وتخبطات عقدية وجرأة على طريقة أئمة العلل في الحديث ! 

فهذه مقدمة في أمر الفقه ثم بعد ذلك تأتي الأمثلة إن شاء الله تعالى
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

. .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب | تركيب وتطوير عبد الله بن سليمان التميمي