مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي: من زندقة الأشاعرة : القرآن الذين بين أيدينا ليس معجزة للنبي

من زندقة الأشاعرة : القرآن الذين بين أيدينا ليس معجزة للنبي



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

فمعلوم مذهب الأشاعرة في القرآن وأن ما بين أيدينا هو حكاية عن القرآن أو عبارة عنه وهو مخلوق ! وأن الكلام النفسي فهو غير المخلوق

فإذا رأيت أشعرياً يقول بأن القرآن غير مخلوق فهو يموه وإنما يقصد القرآن القديم والذي القرآن الذي بين أيدينا عبارة عنه

ولهذا لم يكذب عليهم من قال بأنهم يقولون بأن ليس في المصحف قرآن فهذه حقيقة مذهبهم

فإن الذي بين أيدينا مخلوق وقد نقل الآمدي اتفاقهم بأنه ليس معجزاً !

قال الآمدي في غاية المرام ص107 :" وَأما مَا قيل من أَن الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول فَيمْتَنع أَن يكون قَدِيما فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا مجمعون على أَن الْقُرْآن الحقيقى لَيْسَ بمعجزة الرَّسُول وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَمر وَرَاءه وَهُوَ أَن ذَلِك الْقُرْآن الحقيقى مَاذَا هُوَ فَنحْن نقُول إِنَّه الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ والخصم يَقُول إِنَّه حُرُوف وأصوات أوجدها الله تَعَالَى وَعند وجودهَا انعدمت وَانْقَضَت وَأَن مَا أَتَى بِهِ الرَّسُول وَمَا نتلوه نَحن لَيْسَ هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال لَهُ على نَحْو قراءتنا لشعر المتنبى وامرئ الْقَيْس فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا يجرى على ألسنتنا هُوَ كَلَام امْرِئ الْقَيْس وَإِنَّمَا هُوَ مثله فَمن الْوَجْه الَّذِي لزمنا القَوْل بمخالفة الْإِجْمَاع هُوَ أَيْضا لَازم لَهُم"

فهو هنا يصرح بأن القرآن ليس معجزاً وهذه زندقة صرفة ، وهذا يبين لك أن من قال عنهم بأنهم يقولون ليس في المصحف قرآن لم يكذب فدع عنك تمويه السبكي وابن عساكر فكل ما عندهم مراوغات لفظية

وقد تذمر ابن حزم على ضلاله من كلام بعض الأشاعرة في إعجاز القرآن حتى كفر الباقلاني مراراً لكلامه في إعجاز القرآن

قال ابن حزم في الفصل :" أينتظر كفر بعد هَذَا الْكفْر فِي تصريحه أَن الْعباد وَالْعرب لَا يجوز أَن يعْجزُوا عَن مثل الْقُرْآن وَلَا عَن قلب الْعَصَا حَيَّة وَلَا يغتر ضَعِيف بقوله إِنَّهُم غير قَادِرين على ذَلِك فَإِنَّمَا على قَوْله الْمَعْرُوف من أَن الله لَا يقدر على غير مَا فعل وَظهر مِنْهُ فَقَط وَمن عَظِيم الْمحَال قَوْله فِي هَذَا الْفَصْل أَنه لَا يجوز أَن يعجز الْعَاجِز إِلَّا عَمَّا يقدر عَلَيْهِ مَعَ أَن هَذَا الْكَلَام عَنهُ مُوجب أَنهم إِن عجزوا عَن مثل الْقُرْآن وقدروا عَلَيْهِ وَمَا يمترى فِي أَنه كَانَ كائداً لِلْإِسْلَامِ ملحداً لَا شكّ فِيهِ فَهَذِهِ الْأَقْوَال لَا ينْطَلق بهَا لِسَان مُسلم وَمن أعظم الْبَرَاهِين على كفر الباقلاني وكيده للدّين قَوْله فِي فصل آخر من الْبَاب الْمَذْكُور فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَنه لَا يجب على من سمع الْقُرْآن من مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُبَادر إِلَى الْقطع على أَنه لَهُ آيَة أَو أَنه على يَده ظهر وَمن قبله نجم حَتَّى يسْأَل أهل النواحي والأطراف ونقلة الْأَخْبَار ويتعرف حَال الْمُتَكَلِّمين بذلك اللِّسَان فِي الْآفَاق فَإِذا علم بعد التثبت وَالنَّظَر أَنه لم يسْبقهُ إِلَى ذَلِك أحد لزمَه حِينَئِذٍ اعْتِقَاد نبوته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِنْسَان خَافَ معاجلة الْأمة لَهُ بِالرَّجمِ كَمَا يرْجم الْكَلْب إِن صرح بِأَن نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَاطِل فَصرحَ لَهُم بِمَا يودي إِلَى ذَلِك من قرب إِذا وَجب بِأَن لَا يقر أحد بنبوة مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بِأَن أَتَى بِالْقُرْآنِ وَلَا بِأَنَّهُ آيَة من آيَاته على صِحَة نبوته إِلَّا حَتَّى يسْأَل أهل النواحي والأطراف وينتظر الْأَخْبَار ويتعرف حَال الْمُتَكَلّم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الْآفَاق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فأحال وَالله على عمل لَا نِهَايَة لَهُ وَلَو عمر الْإِنْسَان عمر نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَن سُؤال أهل النواحي والأطراف لَا يَنْقَضِي فِي ألف عَام وانتظار الْأَخْبَار لَيْسَ لَهُ حد وليت شعري مَتى تصل المخدرة وطالب المعاش إِلَى طرف من هَذَا الْمحَال لِأَن أهل النواحي هم من بَين صدر الصين إِلَى آخر الأندلس إِلَى بِلَاد الزنج إِلَى بِلَاد الصقالية فَمَا بَين ذَلِك فلاح كفر هَذَا الْجَاهِل الملحد وكيده لِلْإِسْلَامِ لكل من لَهُ أدنى حس مَعَ ضعف كَيده فِي ذَلِك قَالَ تَعَالَى {إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا} وَيَكْفِي من كل هزر أَتَى بِهِ هَذَا الْفَصْل الملعون قائلة ازمن لَهُ علم قوي بِالْعَرَبِيَّةِ ولاخبار فِي كَيْفيَّة تَيَقّن عجز الْعَرَب عَن معارضته فَمن بعدهمْ إِلَى الْيَوْم وَأَنه من عِنْده ضَرُورَة لِأَنَّهُ لم ينزل الْقُرْآن جملَة فَيمكن فِيهِ الدَّعْوَى من أحد وَإِنَّمَا نزل مقطعاً فِي كل قصَّة تنزل فَينزل فِيهَا قُرْآن وَهَذِه ضَرُورَة مُوجبَة أَنه عِنْده عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ظهر بِوَحْي الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَبِمَا فِيهِ من الغيوب الَّتِي قد ظهر إنذاره بهَا وَأما من لَا علم لَهُ باللغة والأحبار فكيفية أَخْبَار من يَقع لَهُ الْعلم بِخَبَرِهِ بِأَن الْعَرَب عجزت عَن مثله وَأَنه أَتَى بِهِ مفصلا عِنْد حُلُول الْقَصَص الَّتِي أنزل الله تَعَالَى فِيهَا الْآيَة والآيتين والكلمة والكلمتين من الْقُرْآن والتوراة حَتَّى تمّ هُوَ فَهَذَا الْحق وَذَلِكَ الْإِلْحَاد الْمَحْض وَالْكَلَام الغث السخيف وَمن كفراتهم الصلع قَول السمناني إِذْ نَص على أَن الباقلاني كَانَ يَقُول أَن جَمِيع الْمعاصِي كلهَا لَا تحاشي شَيْئا مِنْهَا مِمَّا يجب أَن يسْتَغْفر الله مِنْهُ جايز وُقُوعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حاشا الْكَذِب فِي الْبَلَاغ فَقَط وَقَالَ الباقلاني وَإِذا نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن شَيْء ثمَّ فعله فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَنه مَنْسُوخ إِذْ قد يَفْعَله عَاصِيا لله عز وَجل قَالَ الباقلاني وَلَيْسَ على أَصْحَابه فرضا أَن ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ السمناني فِي كِتَابه الْإِمَامَة لَوْلَا دلَالَة الْعقل على وجوب كَون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْصُوما فِي الْبَلَاغ عَن الله عز وَجل لما وَجب كَونه مَعْصُوما فِي الْبَلَاغ كَمَا لَا يجب فِيمَا سواهُ من أَفعاله وأقواله وَقَالَ أَيْضا فِي مَكَان آخر مِنْهُ وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكفر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد أَدَاء الرسَالَة"

والأشاعرة إذا تكلموا في إعجاز القرآن يتناقضون ويذكرون أوجه الإعجاز في هذا الذي بين أيدينا

قال الرازي في معالم في أصول الدين :" الْمَسْأَلَة الأولى أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ادّعى النُّبُوَّة وَظَهَرت المعجزة على يَده وكل من كَانَ كَذَلِك كَانَ رَسُولا حَقًا فالمقام الأولى أَنه ادّعى النُّبُوَّة وَذَلِكَ مَعْلُوم بالتواتر وَالْمقَام الثَّانِي أَنه أظهر المعجزة فالدليل عَلَيْهِ وُجُوه
أَحدهَا أَنه ظهر الْقُرْآن عَلَيْهِ وَالْقُرْآن كتاب شرِيف بَالغ فِي فصاحة اللَّفْظ وَفِي كَثْرَة الْعُلُوم فَإِن المباحث الإلهية وَارِدَة فِيهِ على أحسن الْوُجُوه وَكَذَلِكَ عُلُوم الْأَخْلَاق وعلوم السياسات وَعلم تصفية الْبَاطِن وَعلم أَحْوَال الْقُرُون الْمَاضِيَة
وهب أَن بَعضهم نَازع فِي كَونه بَالغا فِي الْكَمَال إِلَى حد الإعجاز إِلَّا أَنه لَا نزاع فِي كَونه كتابا شريفا عَالِيا كثير الْفَوَائِد كثير الْعُلُوم فصيحا فِي الْأَلْفَاظ
ثمَّ إِن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَشأ فِي مَكَّة وَتلك الْبَلدة كَانَت خَالِيَة عَن الْعلمَاء والأفاضل وَكَانَت خَالِيَة عَن الْكتب العلمية والمباحث الْحَقِيقِيَّة وَأَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُسَافر إِلَّا مرَّتَيْنِ فِي مُدَّة قَليلَة ثمَّ إِنَّه لم يواظب على الْقِرَاءَة والاستفادة الْبَتَّةَ وانقضى من عمره أَرْبَعُونَ سنة على هَذِه الصّفة ثمَّ إِنَّه بعد انْقِضَاء الْأَرْبَعين ظهر مثل هَذَا الْكتاب عَلَيْهِ وَذَلِكَ معْجزَة قاهرة لِأَن ظُهُور مثل هَذَا الْكتاب على مثل ذَلِك الْإِنْسَان الْخَالِي عَن الْبَحْث والطلب والمطالعة والتعلم لَا يُمكن إِلَّا بإرشاد الله تَعَالَى ووحيه وإلهامه وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَهَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله} أَي من مثل مُحَمَّد فِي عدم الْقِرَاءَة والمطالعة وَعدم الاستفادة من الْعلمَاء وَهَذَا وَجه قوي وبرهان قَاطع
الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحدى الْعَالمين بِالْقُرْآنِ فَهَذَا الْقُرْآن لَا يَخْلُو أَنه إِمَّا أَن يكون قد بلغ إِلَى حد الإعجاز أَو مَا كَانَ كَذَلِك فَإِن كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فقد حصل الْمَقْصُود وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَا كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فَحِينَئِذٍ كَانَت معارضته مُمكنَة وَمَعَ الْقُدْرَة على الْمُعَارضَة وَحُصُول مَا يُوجب الرَّغْبَة فِي الْإِتْيَان بالمعارضة يكون ترك الْمُعَارضَة من خوارق الْعَادَات فَيكون معجزا فَثَبت ظُهُور المعجزة على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على كل وَاحِد من التَّقْدِيرَيْنِ
الْوَجْه الثَّالِث أَنه نقل عَنهُ معجزات كَثِيرَة وكل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ مرويا بطرِيق الْآحَاد إِلَّا أَنه لَا بُد وَأَن يكون بَعْضهَا يَصح لِأَن الْأَخْبَار إِذا كثرت فَإِنَّهُ يمْتَنع فِي الْعَادة أَن يكون كلهَا كذبا فَثَبت بِهَذَا الْوُجُوه الثَّلَاثَة أَنه ظَهرت المعجزة عَلَيْهِ
وَأما الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ أَن كل من كَانَ كَذَلِك كَانَ نَبيا فالدليل عَلَيْهِ أَن الْملك الْعَظِيم إِذا حضر فِي المحفل الْعَظِيم فَقَامَ وَاحِد وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَنا رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم ثمَّ قَالَ أَيهَا الْملك إِن كنت صَادِقا فِي كَلَامي فَخَالف عادتك وقم عَن سريرك
فَإِذا قَامَ ذَلِك الْملك عِنْد سَماع هَذَا الْكَلَام عرف الْحَاضِرُونَ بِالضَّرُورَةِ كَون ذَلِك الْمُدَّعِي صَادِقا فِي دَعْوَاهُ فَكَذَا هَهُنَا هَذَا تَمام الدَّلِيل
وَفِي الْمَسْأَلَة طَرِيق آخر وَذَلِكَ أَنا فِي الطَّرِيق الأول نثبت نبوته بالمعجزات ثمَّ إِذا ثَبت نبوته استدللنا بثبوتها
على صِحَة أَقْوَاله وأفعاله وَأما فِي هَذَا الطَّرِيق فَإنَّا نبين أَن كل مَا أَتَى بِهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَهُوَ أَفعَال الْأَنْبِيَاء فَوَجَبَ أَن يكون هُوَ نَبيا صَادِقا حَقًا من عِنْد الله تَعَالَى
وَتَقْرِير هَذَا الطَّرِيق أَن نقُول الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون نَاقِصا وَهُوَ أدنى الدَّرَجَات وهم الْعَوام وَإِمَّا أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَلَا يقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَوْلِيَاء وهم فِي الدرجَة المتوسطة وَأما أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَيقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَنْبِيَاء وهم فِي الدرجَة الْعَالِيَة ثمَّ إِن هَذَا الْكَمَال والتكميل إِمَّا أَن يعْتَبر فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العلمية وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة النظرية معرفَة الله تَعَالَى وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة العلمية طَاعَة الله تَعَالَى وكل من كَانَت درجاته فِي كمالات هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات ولَايَته أكمل وَمن كَانَت درجاته فِي تَكْمِيل الْغَيْر فِي هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات نبوته أكمل إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول أَن عِنْد مقدم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ الْعَالم مملوءا من الْكفْر وَالْفِسْق
أما الْيَهُود فَكَانُوا فِي الْمذَاهب الْبَاطِلَة فِي التَّشْبِيه وَفِي الافتراء على الْأَنْبِيَاء وَفِي تَحْرِيف التَّوْرَاة قد بلغُوا الْغَايَة
وَأما النَّصَارَى فقد كَانُوا فِي القَوْل بالتثليث وَالْأَب وَالِابْن والحلول والاتحاد قد بلغُوا الْغَايَة
وَأما الْمَجُوس فقد كَانُوا فِي القَوْل بِإِثْبَات إِلَهَيْنِ وَوُقُوع الْمُحَاربَة بَينهمَا وَفِي تَحْلِيل نِكَاح الْأُمَّهَات قد بلغُوا الْغَايَة
وَأما الْعَرَب فقد كَانُوا فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَفِي النهب والغارة قد بلغُوا الْغَايَة
وَكَانَت الدُّنْيَا مَمْلُوءَة من هَذِه الأباطيل
فَلَمَّا بعث الله عز وَجل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَامَ يَدْعُو الْخلق إِلَى الدّين الْحق
انقلبت الدُّنْيَا من الْبَاطِل إِلَى الْحق وَمن الْكَذِب إِلَى الصدْق وَمن الظلمَة إِلَى النُّور وَبَطلَت هَذِه الكفريات وزالت هَذِه الجهالات فِي أَكثر بِلَاد الْعَالم وَفِي وسط المعمورة وَانْطَلَقت الألسن بتوحيد الله تَعَالَى واستنارت الْقُلُوب بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَرجع الْخلق من حب الدُّنْيَا إِلَى حب الْمولى بِقدر الْإِمْكَان وَإِذا كَانَ لَا معنى للنبوة إِلَّا تَكْمِيل الناقصين فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية ورأينا أَن مَا حصل من هَذَا الْأَثر بِسَبَب مقدم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكمل وَأكْثر مِمَّا ظهر بِسَبَب مقدم مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام علمنَا أَنه كَانَ سيد الْأَنْبِيَاء وقدوة الأصفياء
وَهَذِه الطَّرِيقَة عِنْدِي أفضل وأكمل من الطَّرِيقَة الأولى لِأَن هَذَا يجْرِي مجْرى برهَان اللَّهُمَّ لأَنا بحثنا عَن معنى النُّبُوَّة فَعلمنَا أَن مَعْنَاهَا أَنه شخص بلغ فِي الْكَمَال فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية إِلَى حَيْثُ يقدر على معالجة النَّاقِص فِي هَاتين القوتين وَعلمنَا أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أكمل الْبشر فِي هَذَا الْمَعْنى فَوَجَبَ كَونه أفضل الْأَنْبِيَاء
وَأما الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يجْرِي مجْرى برهَان الْآن فَإنَّا نستدل بِحُصُول المعجزات على كَونه نَبيا وَهُوَ يجْرِي مجْرى الِاسْتِدْلَال بأثر من آثَار الشَّيْء على وجوده وَلَا شكّ أَن برهَان اللم أقوى من برهَان الْآن وَالله أعلم"

وهذا الكلام على مآخذ عليه مستقيم في الجملة 

وقد تناقض الآمدي نفسه فقال في  ص352 :"والذى يدل على صِحَة رسَالَته وَصدقه فى دَعوته مَا ظهر على يَده من المعجزات والآيات الباهرات فَمن جُمْلَتهَا الْقُرْآن الْمجِيد الذى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد} فَإِن من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وَله قدم راسخ فى الاختبار اعْلَم أَن الْقُرْآن من أظهر المعجزات وأبلغ مَا تخرق بِهِ الْعَادَات وَأَن ذَلِك مِمَّا لَا يدْخل تَحت طوق الْبشر وَلَا يُمكن تَحْصِيله بفكر وَلَا نظر لما اشْتَمَل من النّظم الْغَرِيب والأسلوب الْمُخَالف لما استنبطه البلغاء من الاوزان والأساليب مَعَ الجزالة والبلاغة وَجمع الْكثير من الْمعَانى السديدة فِي الْأَلْفَاظ الوجيزة الرشيقة وَإِلَيْهِ الاشارة بقوله عَلَيْهِ السَّلَام أُوتيت جَوَامِع الْكَلم واختصرت لى الْحِكْمَة اختصارا وَذَلِكَ كَمَا دلّ على وحدانيته وَعظم صمديته والإرشاد لمن ضل إِلَى مَعْرفَته بقوله {يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل} فانه بَيِّنَة على أَن ذَلِك كُله لَيْسَ إِلَّا بمشيئته وإرادته وَأَنه مَقْدُور بقدرته وَإِلَّا فَلَو كَانَ ذَلِك بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَالْفَاعِل لَهُ الطبيعة لما وَقع الِاخْتِلَاف
وَمِمَّا كثرت مَعَانِيه وَقل لَفظه على أتم بلاغة وَأحسن فصاحة قَوْله تَعَالَى {خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين} فَإِنَّهُ مَعَ قلَّة أَلْفَاظه ورطوبتها قد دلّ على الْعَفو عَن المذنبين وصلَة القاطعين وَإِعْطَاء المانعين وتقوى الله وصلَة الْأَرْحَام وَحبس اللِّسَان وغض الطّرف وَغير ذَلِك من الْمعَانى
وَمن أَرَادَ زِيَادَة الاختبار فَعَلَيهِ بِالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَر فى مجمله ومفصله ومحكمه ومتشابهه فَإِنَّهُ يجد فى طى ذَلِك الْعجب العجاب ويحقق بِمَا أمكنه من إِدْرَاكه إعجازه لذوى الْعُقُول والألباب وان أبلغ وَأحسن مَا نطقت بِهِ بلغاء الْعَرَب من ذوى الأحساب والرتب المختصين من بَين الْأُمَم المميزين عَن سَائِر أَصْنَاف الْعَجم بِمَا منحهم الله تعال بِهِ من اللِّسَان العربى الْمُبين إِذا نسبه إِلَى الْكَلَام الربانى وَاللَّفْظ اللاهوتى وجد النِّسْبَة بَينهمَا على نَحْو مَا بَين اللِّسَان العربى والأعجمى ولعلم من نَفسه مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الإعجاز والبلاغة والايجاز وَإِن ذَلِك مِمَّا تتقاصر عَن الاتيان بِمثلِهِ أَرْبَاب اللِّسَان وتكل عَن معارضته الانس والجان {قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا}
فَإنَّك أَلا ترى إِلَى فصيح قَول الْعَرَب فى معنى ارتداع سافك الدَّم بِالْقَتْلِ الْقَتْل أنفى للْقَتْل وفى قَوْله تَعَالَى {فِي الْقصاص حَيَاة} وَمَا بَينهمَا من الْفرق فى الجزالة والبلاغة والتفاوت فى الْحُرُوف الدَّالَّة على الْمَعْنى وَمن كَانَ أَشد تدربا وَمَعْرِفَة بأوزان الْعَرَب ومذاهبها فى اللُّغَات وأساليبها فِي الْعبارَات كَانَ أَشد معرفَة بإعجاز الْقُرْآن وأسبق إِلَى التَّصْدِيق وَالْإِيمَان كَمَا أَن من كَانَت مَعْرفَته بِعلم الطبيعة فى زمن إِبْرَاهِيم وَعلم السحر فى زمن مُوسَى والطب فى زمن عِيسَى أَشد كَانَ أَشد معرفَة بالإعجاز وأسبق للتصديق وَالْقَبُول لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول
كَيفَ وَالْعرب مَعَ شدَّة بأسها وَعظم مراسها ومنعتهم عَن أَن يدخلُوا فى حكم حَاكم ونبوتهم عَن أَن يقبلُوا رسم راسم مِنْهُم من أجَاب بِالْقبُولِ وأذعن بِالدُّخُولِ وَمِنْهُم من نكل عَن الْجَواب واعتضد بالقبائل وَالْأَصْحَاب وَلم يرض غير القيل والقال وَالْحَرب والنزال فاستنزل بالعنف عَن رتبته وَأخذ بالقهر مَعَ نبوته فَلَو أَن ذَلِك مِمَّا لَهُم سَبِيل إِلَى معارضته أَو إبداء سُورَة فى مُقَابلَته مَعَ أَنهم أهل اللِّسَان وفصحاء الزَّمَان لقد كَانُوا يبالغون فى ذَلِك مَا يَجدونَ إِلَيْهِ سَبِيلا لإفحام من يدعى كَونه نَبيا أَو رَسُولا إِذْ هُوَ أقرب بالطرق إِلَى إفحامه وأبلغها فى دحره وانحسامه وادراء لما ينالهم فى طَاعَته ومخالفته من الأوصاب وكفا لما يلحقهم فى ذَلِك من الأنصاب وخراب الْبِلَاد وَنهب الْأَمْوَال واسترقاق الْأَوْلَاد
لَا سِيمَا وَقد تحدى بذلك تحدى التَّعْجِيز عَن الاتيان بِمثلِهِ فَقَالَ فَأتوا بِكِتَاب مثله بل بِعشر سور من مثله بل سُورَة وَاحِدَة فَلم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا إِلَّا أَن مِنْهُم من وقف على معجزته وَعرف وَجه دلَالَته فواحد لم يَسعهُ إِلَّا الدُّخُول فى الْإِيمَان والمبادرة إِلَى الاذعان وَوَاحِد غلبت عَلَيْهِ الشقاوة واستحكمت مِنْهُ الطغاوة فخذل بِذَنبِهِ ونكص على عقبه وَقَالَ {أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه} {إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين}
وَمِنْهُم من حمله فرط جَهله وقصور عقله على الْمُعَارضَة والإتيات بِمثلِهِ كَمَا نقل من ترهات مُسَيْلمَة فى قَوْله الْفِيل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ ذَنْب طَوِيل وخرطوم وثيل وَقَوله والزارعات زراعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا إِلَى غير ذَلِك من كَلَامه وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الركاكة والفهاهة وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على جهل قَائِله وَضعف عقله وسخف رَأْيه حَيْثُ ظن أَن هَذَا الْكَلَام الغث الرث الذى هُوَ مضحكة الْعُقَلَاء ومستهزأ الأدباء معَارض لما أعجزت الفصحاء معارضته واعيه الألباء مناقضته من حِين الْبعْثَة إِلَى زَمَاننَا هَذَا بل لَو نقر الْعَاقِل على مَا فِيهِ من الْإِخْبَار بقصص الماضين وأحوال الْأَوَّلين على نَحْو مَا وَردت بِهِ الْكتب السالفة والتواريخ الْمَاضِيَة مَعَ مَا عرف من حَال النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الأمية وَعدم الِاشْتِغَال بالعلوم والدراسات بل وَمَا فِيهِ من الْإِخْبَار عَمَّا تحقق بعد مَا أخبر بِهِ من الغائبات كَمَا فى قَوْله تَعَالَى {قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا} وَقَوله {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام} وَقَوله {وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها} وَقَوله {الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا لَهُ فى معرفَة إعجاز الْقُرْآن وصادا لَهُ عَن المكابرة والبهتان"

ويكفي للرد عليهم في أمر القرآن قول الله عز وجل ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )

فسمى ما يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله فهذا الذي بين دفتي المصحف يصدق أن يقال فيه كلام الله وكلام الله من لدنه سبحانه وهو غير مخلوق

فالمكتوب كلام الله

قال عبد الله بن أحمد في السنة 179 - حَدَّثَنِي ابْنُ شَبُّوَيْهِ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «مَنْ قَالَ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَخْلُوقٌ عِلْمُهُ أَوْ كَلَامُهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ كَافِرٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَيُجْعَلُ مَالُهُ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ وَيُذْهَبُ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إِلَى مَذْهِبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ» سَأَلْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قُلْتُ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: " هُمْ جَهْمِيَّةٌ وَهُمْ أَشَرُّ مِمَّنْ يَقِفُ , هَذَا قَوْلُ جَهْمٍ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُ فِي هَذَا، وَقَالَ: هَذَا كَلَامُ جَهْمٍ "، وَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»،

وكلام أحمد هذا ينطبق على الأشاعرة ، وقد رد عليهم كثيرون ويكفيك النظر في التسعينية مثلاً غير أن الجديد في هذا المقال التصريح بأن منهم من قال بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم

( والمعجزة مصطلح حادث أصوب منه الآية )


هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

. .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب | تركيب وتطوير عبد الله بن سليمان التميمي