السبت، 6 يناير 2018

نقض شبهات محمد عبد الواحد الأزهري في تبرير استغاثات القبورية



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
                                                       أما بعد :

فمن علامة أهل الزيغ التمسك بالمتشابهات وترك المحكمات

فإن من المحكمات أن النبي صلى الله عليه وسلم على علو قدره لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا بإذن الله

وأنه لا يصح توجيه الدعاء له أو الاستغاثة به

وهذا أصل مشهور في مذهب أحمد فعليه بنوا أحد أعظم أدلتهم على أن القرآن غير مخلوق

حيث استدل أئمة أهل السنة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ( أعوذ بكلمات الله التامات ) على أن كلام الله غير مخلوق إذ لا يصلح الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله

وأيضاً حين كفر الإمام الشافعي الجهمية بقولهم أسماء الله مخلوقة كان أحمد يستدل عليهم بقوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) على أن اسم الرحمن غير مخلوق وهذا موجود في كتابه في الآيات التي يستدل بها على الجهمية

إذا فهمت هذا الأصل تعلم أن ما يستدل به القبورية اليوم هو خروج عما قاله جميع أئمة الإسلام فإن نبينا صلى الله عليه وسلم مناط القول بأن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أنه عبادة لغير الله إذ سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله شرك

كما أنه شرك في صفة السمع إذ يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ويخاطبونه على بعد لا يسمع منه إلا الله والله وحده من يسمع كل أحد ولا تختلط عليه الأصوات والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ورد أن هناك ملائكة يبلغونه السلام

وحتى حديث عرض الأعمال ما ذكر إلا أنه يستغفر للمذنب وهذا هو المأذون له به على فرض صحة الخبر ولم يقل أنه يقضي الحاجات فالأصل في عمل بني آدم أنه منقطع بعد الموت إلا ما استثني في حق بعض الأعيان

وأما طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم _ وهو غير الاستغاثة به _ بعد موته فله ثلاثة أحوال

أولها : أن يسأله الدعاء بعد موته معتقداً أن لا بد أن يكون بينه وبين الله واسطة وأنه لا يصلح أن يدعو الله مباشرة فهذا شرك أكبر وقد نقل في عدد من كتب المذهب القول بشركية هذه الأمر

ثانيها : أن يسأله على بعد لا يسمع منه إلا الله فهذا نقل ابن عبد الهادي في الصارم المنكي الاتفاق على التكفير بمثل هذا لأن النصارى تفعله مع مريم والناس يعدونه شركاً فالله وحده الذي يسمع على البعد العظيم ولا تختلط عليه الأصوات

 جاء في المحيط البرهاني في الفقه النعماني من كتب الأحناف (3/29) :" تزوج امرأة بشهادة الله ورسوله لا يجوز؛ لأن هذا نكاح لم يحضره شهود، وعن أبي القاسم الصفار رحمه الله أنه قال: يكفر من فعل هذا؛ لأنه اعتقد أن رسول الله عليه السلام عالم الغيب"

وقد عارضه بعض متأخري الأحناف في التكفير ولم ينسبوه إلى الغلو فتأمل

ثالثها : أن يطلب منه الدعاء عند قبره بدون الاعتقاد الأول فهذا بدعة وذريعة للشرك وليس شركاً فالشرك ما يصلح استبدال اسم المعبود من دون الله باسم الله فأنت حين ( يا رسول الله ادع الله لي ) لا يمكن أن تقول ( يا رب ادع الله لي )

وهناك فرق بين أن تسأل طبيباً أن يعالج امرأتك وهو حي قادر مثلاً ، وأن تأتي لقبره وتقول عالج امرأتي فهذا معناه أنك تعتقد أن له قدرة خفية كقدرة الله يفعل بها وأنه يفعل كما يفعل الله

وهذا متحقق في أمر الاستغاثة دون أمر الدعاء

ولنأتي إلى بعض الأحاديث التي جادت قريحة بعض الجهلة بالاستدلال بها لتبرير دعاء غير الله _ النبي صلى الله عليه وسلم خصيصاً _

قال البخاري 4196 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لِعَامِرٍ يَا عَامِرُ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا أَبْقَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ.

فقال المعترض : أن قولهم ( لولا أمتعتنا به ) سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر عليه إلا الله

وأجابه بعض الناس بأن هذا يتضمن طلب الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولكن بهذا الجواب سيبقى اعتراض المجاز قائماً

والواقع أنه أتي من عدم جمعه روايات الحديث

ففي صحيح مسلم : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : أَنَا عَامِرٌ ، قَالَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ، قَالَ : وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلاَّ اسْتُشْهِدَ ، قَالَ : فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، لَوْلاَ مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِر.

فهذه الرواية تشرح وتبين الأمر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخص أحداً من أصحابه بالاستغفار في مثل هذا المقام إلا وفقه الله للشهادة وكان عمر وهو علماء الصحابة عالماً بهذا الأمر فاستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه للمرء بالشهادة شيء واحد في هذا المقام فقال عمر للنبي معاتباً ما تقديره : لو لم تستغفر له وبقي حيا بيننا نستمتع به . وهنا لا يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً بل يعاتب على أمر قد نفذ كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي )

فليس هنا سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله بل هو دعاء نبوي نافذ قاله النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً بدون طلب فعوتب على ما سيترتب عليه لما يعرفه الصحابة من كرامة النبي على ربه

واستدل المعترض بما يلي

قال مسلم في صحيحه 1029- [226-489] حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ ، قَالَ : كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي : سَلْ فَقُلْتُ : أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ : أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ : هُوَ ذَاكَ . قَالَ : فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.

هذا سؤال لحي قادر يسمع فيما يقدر عليه وهو الشفاعة بالصاحب وسؤال منزلة معينة له والنبي صلى الله عليه وسلم نبهه على أن الأمر ليس بيده مطلقاً بل السائل لا بد أن يتجه لله بكثرة السجود والدعاء في هذا الأمر

وغير مستبعد عقلاً ولا نقلاً أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في رفع منزلة مخلوق أعلى من منزلته التي يستحق كما يشفع المرء العادي في ذريته ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم )

وفي الدنيا ولله المثل الأعلى يفرق كل عاقل بين قولك لشخص إن أعطاك الأمير بيتاً فاجعلني أسكن معك أو أعطاك قصراً وقال لك ما شئت فيه فقل أن يجاورني فلان وبين قولك لشخص ليس أميراً عين فلاناً وزيراً مثلاً مما لا يفعله إلا الأمير ولله المثل الأعلى 


والمرء في الجنة له كل ما يشتهي إن لم تعارضه إرادة الله فلو طلب أن يرفع فلان الذي تحته لمنزلته ليجلس معه أفلا يكون ذلك من ضمن ثواب الجنة وما تشتهي الأنفس ولا علاقة له بفعل أمر لا يقدر عليه إلا الله بل هو طلب ثواب من الله ، الله وعد به أصلاً ويحصل للمؤمن في ذريته ولا يبعد أن يحصل في أخلائه فلو قال شخص إذا أدخلك الله للجنة وكنت دونك فاسأل الله أن يرفعني إليك فإن لأهل الجنة ما يشتهون وما يطلبون فأين هذا من الشرك الذي يفعل اليوم ؟ فلا يختلف هذا عن قول القائل إذا مت قبلك فتصدق عني أو صل علي


فهذا أمر للمخلوق فيه تسبب ولا تقع الشفاعة إلا بإذن الله ولمن يشاء ويرضى ولا حظ لمشرك فيها ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لكل الناس

فهناك من يذاد عن حوضه لإحداثه في الدين فيقول بعداً بعداً وسحقاً سحقاً ويخط له يوم القيامة خطاً لا يتجاوزه في الشفاعة

ثم رحمة الله تخرج أقواماً ما أخرجتهم شفاعة نبي ولا وحميم ولا ملك مقرب وهو أرحم بنا من كل هؤلاء فهلا اتجهنا إليه مباشرة

ومن السفه أن يقال الشفاعة أمر لا يقدر عليه إلا الله فإن الشفاعة توسط عند من هو أعلى كاستغفار الملائكة فهل هناك من هو أعلى من الله حتى يشفع عنده فالشفاعة معناها أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم الله تبارك الله وتعالى لهذا الشخص والله يقبل أو يرد ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم عامته مقبول

ويوم القيامة يكون النبي صلى الله عليه وسلم حياً قادراً وطلب الدعاء من الحي القادر لا يمنع منه وعلى هذا افهم حديث أنس في طلب الشفاعة يوم القيامة من النبي صلى الله عليه وسلم ، والناس إنما يختلفون في طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وأما سؤاله أن يدعو لهم وهو حي فهذا لا يمنع منه أحد

قال ابن أبي الدنيا في الصمت 346 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ تُصِيبُهُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: «إِنَّ اللَّهَ يُغْنِي الْمُؤْمِنِينَ عَنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكُونُ شَفَاعَتُهُ لِلْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»

وقال أيضاً 616 - وَحَدَّثَنَا حَمْدُونُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَةً تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي فِي شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: «إِذًا تَمَسَّكِ النَّارُ»

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : (القائل أنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنّة رسول الله، أو من اجتماع الأمة. والحق أحق أن يتبع)

ومما يدل على اختلاف حال الحياة عن حال الوفاة خبر عمر مع العباس في الاستسقاء وقوله ( إنا كنا نستسقي بنبيك )

وإنما كانوا يستسقون بدعائه كما ثبت في الصحيح وقول القائل ( كنا نفعل كذا وصرنا نفعل كذا ) لا يفهم منه في العربية إلا الترك للأمر الأول

وحال الناس اليوم استغاثة صريحة جداً وطلب للحاجات بكل وضوح

فهذا الوارد عن بعض الصحابة فيمن كان يسأل الله أن يشفع نبيه فيه فكيف بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر هذا الأمر بعد موته وأما من وقع من بعض الصحابة فلعل المراد به شفاعة رفعة الدرجات والمجاورة لمقامه الشريف فعموم الصحابة موعودون بالجنة

وقال البخاري  1402 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ .

واستدل الجاهل بحديث عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الإِِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، قَالَ عَمْرٌو : فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا مَلأَتُ عَيْنِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلاَ رَاجَعْتُهُ بِمَا أُرِيدُ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيَاءً مِنْهُ.

وهذا توجيهه يسير ويدل عليه السياق أنه أراد أن يغفر له رسول الله إساءته في حق رسول الله وحربه على دينه _ يعني الخطأ في حق النبي صلى الله عليه وسلم _ وواضح من ذكره الحياء من النبي صلى الله عليه وسلم والرجل حديث عهد بإسلام أصلاً والنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأن الله يغفر ولم يقل له أنا أغفر بل قال له أن الإسلام والهجرة وهما عملان يعملان لوجه لا رياء لنبي ولا ولي يغفران ذنبه فأرجع الأمر لطاعة الله عز وجل لا لمشيئته هو ولا لغيره فالحديث حجة عليه

ثم إن في رواية مسلم وهي أصح من رواية المسند ولا شك ( أن يغفر لي )  ولم يوجهه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن في المسند أخطاء في السند والمتن بسبب ابن المذهب نبه على ذلك الذهبي في الميزان وابن حجر في اللسان فالرواية الثابتة تنقض بنيانهم

قال الحجاوي في باب حكم المرتد من كتابه الإقناع 4/285 ط. التركي
(قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به اتفاقا. وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى. أو سجد لصنم أو شمس أو قمر).


قال منصور البهوتي في كشاف القناع:
((قال الشيخ أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به ) الرسول ( اتفاقا , وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا انتهى ) أي كفر لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )).


وقال ابن مفلح في الفروع 6/165 في باب حكم المرتد:
(قال : أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ( ع ) قال جماعة : أو سجد لشمس أو قمر).


وقال المرداوي في الإنصاف 10/327
(فائدة : قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وكذا الحكم لو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا . قال جماعة من الأصحاب : أو سجد لشمس أو قمر).


وقال الشيخ مرعي الكرمي في غاية المنتهى 3/355
(أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا قاله الشيخ).


وقال مصطفى الرحيباني في مطالب أولي النهى 6/279
(( أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ) كفر ( إجماعا قاله الشيخ ) تقي الدين , وقال : أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به كفر اتفاقا ; لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم