الثلاثاء، 9 يناير 2018

تحرير مذهب ابن تيمية في المعارف القبلية ونقد دعوى أن القول بها قول الجهمية



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
                                                       أما بعد :

فقد سألني مراراً بعض الأخوة التعقيب على باحث تحدث عن موضوع المعارف القبلية

ولم أحفل بهذا كثيراً إذ أنه يقرر أن المعارف القبلية _ بمعنى المباديء العقلية _ لا وجود لها وإنما المرجع للحس

وكنت على رأيي في عدم التعرض لبحث الباحث فالأمر عندي ليس بالشديد حتى رأيته يدعي أن القول بالمعارف القبلية هو قول الجهمية وينسب عكسه لشيخ الإسلام

وسمعت مقطعاً له أربعة عشر دقيقة يتحدث في هذا الأمر وحقيقة ضربت كفاً على كف مما سمعت من الخلط الفظيع والجناية على العلوم

وهنا لا بد من تجلية المسألة وتقريبها لأذهان من هي جديدة عليه

اعلم رحمك الله أن المعارف القبلية بمعنى الأسس العقلية_ غير المفتقرة إلى الحس _ التي يرجع إليها عند النزاع أمر لم يكن محل بحث بين الإسلاميين

وإنما كانوا يبحثون في الفطرة بمعنى الإسلام وهي أمر زائد على مجرد المعارف العقلية الأولية بل هي معاني علمية مطبوعة في الفؤاد أو الفؤاد مستعد لها

وتفسير الفطرة بالإسلام قول مشهور عند علماء أهل السنة فنسبة هذا القول للجهمية عجيب غاية وخلط فظيع

ومفتاح البحث في المسألة النظر في عدة نصوص ومحاولة فهمها ابتداءً وسأحرص على نقل كلام ابن تيمية في هذه الأمور

فأول الأدلة النظر في قوله تعالى : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً )

وهو عمدة المعترض من الأدلة النقلية والجواب عليه يسير فإنه نص عام قابل للتخصيص كقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) والذي خصص بميتة البحر في السنة أو قوله تعالى : ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) الذي خصص بكون القاتل لا يرث المقتول وغيرها من أمثلة التخصيص

ويكون المراد بالآية المعارف التفصيلية

ولكن ما هو المخصص ؟

المخصصات سيأتي ذكرها ومن أهمها الفطرة بتفسير شيخ الإسلام وسبقه علماء بمعنى أن الفطرة الإسلام إن لم يوجد معارض والاستعداد له مع وجود معارض

قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (8/383) :" وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفاً ونحو ذلك.
فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده.
فإن الله تعالى يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته.
فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئاً بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض
وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الإغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه.
وهذا من قوله تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ، وقوله: {الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} ، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتدياً إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئاً فشيئاً بحسب حاجته.
ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة"

ويلاحظ أن شيخ الإسلام في كلامه هذا ذكر بعض أنواع المخصصات



والآن لنقف على بحث حديث كل مولود يولد على الفطرة وما نقله ابن عبد البر في شرح هذا الحديث وتعقيبات ابن تيمية في الدرء على شراح الحديث واختياراتهم

قال ابن عبد البر: (وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: (كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة) يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك)

هذا قول القول الأول أن المقصود بالفطرة الخلقة السوية وهذا التأويل قد يفرح نافي المعارف القبلية

ولكن ابن تيمية تعقب هذا التأويل بتعقيب متين في الدرء فقال :" صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف.
فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفاً، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبوية لفطرته، حتى يسأل عمن مات صغيراً.
ولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير.
وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان، فقالوا: إنهم أولاد المشركين.
قال: أليس خياركم أولدا المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة.
ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، غير مستوجبين للقتل.
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان"

فهنا الشيخ ينكر القول بأن الفطرة مجرد الاستعداد للشيء فلو كان كذلك لما احتاج إلى تغيير والديه ( فأبواه يهودانه ) ولما كان للحديث الآخر معنى ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم )

وأن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية ذكر حديث ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ) في معرض نهيه عن قتل أطفال المشركين ولو كان المعنى الاستعداد لكان هذا المعنى متوفراً في الكبار أيضاً فكانوا غير مستوجبين للقتل

قال ابن عبد البر بعدها : وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ، يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم) .
(قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة.
والفاطر المبدىء والمبتدىء، فكأنه قال: صلى الله عليه وسلم: يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاوة والسعادة، وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه.
واحتجوا بقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} .
وروي بإسناده إلى (ابن عباس قال: لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأئتها) .... (وذكروا ما يروى عن علي رضي الله عنه في دعائه: اللهم جبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها) .

أقول : وهذا التفسير الثاني قد يفرح نافي المعارف القبلية فهم يقولون أن معنى على الفطرة أنه مخلوق على علم الله

وهذا نقضه الشيخ في الدرء نقضاً مبرماً فقال : حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه.
ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودة على ماسبق في علم الله لها.
والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها.
وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقاً على الفطرة.
وأيضاً فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، على هذا القول، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.
وأيضاً فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، يبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه.
وأيضاً فقوله: (على هذه الملة) ، وقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء) يخالف هذا.
وأيضاً فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنه من حين كان جنيناً إلى ما لا نهاية له من أحواله، على ما سبق في علم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص.
وقد ثبت في الصحيح أنه: قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة، لكان أشبه بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة"

ملخص كلام الشيخ أن بهذا التفسير لا يكون هناك خصوصية لبني آدم بين سائر الموجودات وأنه لا يكون لسياق الحديث معنى في ذكر التهويد والتنصير  هو والحديث الآخر الساقط من اعتبارات نافي المعرفة القبلية ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم )

ثم قال ابن عبد البر : قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن أبن المبارك، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين: الله أعلم بما كانوا عاملين. قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.
قال ابن عبد البر: ما رسمه مالك في موطأه، وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا"

هنا ابن عبد البر يحاول أن ينسب هذا المذهب لبعض علماء أهل السنة فما كان رأي ابن تيمية

قال الشيخ ناقضاً على ابن عبد البر : أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) والطبع الكتاب، أي كتب كافراً كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد) ، وليس إذا كان الله قد كتبه كافراً، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في عمله أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة.
وكلام أحمد في أجوبة أخرى له، يدل على أنه الفطرة عنده: الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما فهم على دينهما، وإن سبوا مع أحدهما، فعنه روايتان، وكان يحتج بالحديث.

كلام أبي بكر الخلال في كتابه الجامع
قال أبو بكر الخلال في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل: (أنبأ أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب: إنهم مسلمون إذا كانوا صغاراً، وإن كانوا مع أحد الأبوين.
وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
قال: وأما أهل الثغر فيقولون: إذا كان مع أبوية: إنهم يجبرونه على الإسلام) .
قال: (ونحن لا نذهب إلى هذا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه» .... قال الخلال: أنبأ عبد الملك الميموني قال: سألت أبا عبد الله قبل الحبس - أي قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية - عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه أبواه قال: إذا مات صلى عليه المسلمون.
قلت: يكره على الإسلام؟
قال: إذا كانوا صغاراً يصلون عليه أكره من يليه إلا هم، وحكمه حكمهم.
قلت: فإنه كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه - أو أحدهما - لم يكره، ودينه على دين أبويه.
قلت: إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة» :
حتى يكون أبواه؟ قال: نعم.
قال: وعمر بن عبد العزيز نادى به؟ قال: فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم.
قلت: في الحديث كان معه أبواه؟ قال: لا، وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه) .

قال الخلال: (ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله) .... (ولذلك نقل إسحاق ابن منصور أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم.
قلت: لا يجبرون على الإسلام، إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم) .
قال الخلال: (وقد روي هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلم.
وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، وبعضهم قبل وبعد، والذي أذهب إليه: ما رواه الجماعة) .
وقال الخلال: (ثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته، ويدعا طفلين ولهما عم، ما تقول فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها، وقالوا: إنهم قد كتبوا إليك.
فقال: أكره أن أقول فيها برأي.
دع حتى أنظر، لعل فيها عمن تقدم.
فلما كان بعد شهر عاودته، فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (فأبواه يهودانه وينصرانه....) ، هذا ليس له أبوان.
قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون، لقول النبي صلى الله عليه وسلم) ...
(وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبواه وهو صغير جبر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
(ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى؟ قال: ذاك يدفنه المسلمون.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
(وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم، على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة: يهودية أو نصرانية أو مجوسية؟ فقال: يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام، لأن آباءهم مسلمون.
حديث النبي صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» يردون كلهم إلى الإسلام) .
ومثل هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافراً بأبويه، فإن لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة: الإسلام، لم يكن بعدم أبويه يصير مسلماً، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة"

هذا النقل المطول عن الشيخ كله ليذهب أن مذهب إمامه الإمام أحمد أن الفطرة هي الإسلام وأنه فرع على ذلك فروعاً فقهية وابن عبد البر نفسه نقل عن الزهري القول بإجزاء الطفل المشرك في كفارة اليمين لأنه على الفطرة فكيف يقال أن هذا القول هو قول الجهمية إن هذا إلا سفه وعجلة واستخفاف بعقول الخلق

ثم بعد بحث طويل في حكم أطفال المشركين في الآخرة يقول الشيخ : والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه، وهو أنهم ولدوا على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، مستلزمة له لولا المعارض

ثم ذكر ابن تيمية كلام ابن عبد البر في ذكره لتفسير من فسر الفطرة بالميثاق وعلق عليه تعليقاً لا بأس به في كون أهل الحق يقصدون حقاً ولكن قد تكون أجوبتهم ضعيفة فقال معلقاً على تفسير إسحاق للفطرة بالميثاق : وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما في ظاهر المنقول عن إسحاق، فهذا يتضمن شيئين: أحدهما: أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجوداً فيهم، كما قال ذلك طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه.
والآية في تفسيرها نزاع ليس هذا موضعه، وكذلك في وجود الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان.
لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقاً، فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك.
وأما قول القائل: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى: طائع وكاره، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم، إلا عن السدي في تفيسره.
قال السدي في قول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} .
قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة، قبل أن يهبطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. فذلك قوله: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.
ثم أخذ منهم الميثاق فقال: {ألست بربكم قالوا بلى} .
فأطاعه طائفة طائعين وطائفة كارهين، على وجه التقية.
فقال هو والملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} ، فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه.
وذلك قوله عز وجل: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، وذلك قوله: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} يعني يوم أخذ الميثاق.
فهذا الأثر إن كان حقاً ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله، فإذا كانوا ولدوا على هذه النطفة فقد ولدوا على المعرفة، ولكن فيه أن بعضهم أقر كارهاً مع المعرفة، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا مكرهاً، وهذا لا يقدح في كون المعرفة فطرية، مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا الأثر، ومثل هذا لا يوثق به"

فهنا ابن تيمية كل اعتراضه على قول إسحاق في الميثاق أنه قسم الناس شقي وسعيد والشيخ هنا يعترض بأن الميثاق يؤكد المعرفة الفطرية فهو معنى إيجابي لا سلب فيه والسلب إنما وقع في الدنيا لما دخلت الأهواء على الناس وهذا كله يدلل على أن الشيخ قائل بالفطرة بمعنى الإسلام وهذا أمر زائد على مجرد المعارف العقلية الأولية بكل وضوح

ثم قال الشيخ بعد بحث طويل نفيس :" والمقصود هنا الكلام على الأقوال المذكورة في تفسير هذا الحديث، وقد تبين ضعف قول من قال: الفطرة: الكفر والإيمان، وأن الإقرار كان من هؤلاء طوعاً، ومن هؤلاء كرهاً.
ومما يضعف هذا القول طائفة أخرى بأن جميع أولئك كان إقرارهم جميعهم له بالربوبية من غير تفصيل بطوع وكره"

ثم لما نقل ترجيح ابن عبد البر في قوله : هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان عليها، وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة، بدليل قوله في حديث عياض بن حمار: إني خلقت عبادي حنفاء، يعني على استقامة وسلامة، فكأنه - والله أعلم - أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والزيادات، ومن المعاصي والطاعات، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما.
ومن الحجة أيضاً في هذا قول الله تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} ، {كل نفس بما كسبت رهينة} ، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء.
قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}

علق ابن تيمية قائلاً : هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحداً منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام - فهذا قول فاسد، لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه، فلما ذكر أن أبوه يكفرانه، وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام، علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر.
وأيضاً فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب، ولا استقامة ولا زيغ، إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة، وليس هو بأحدهما أولى منه بالآخر، كما أن الرق قبل الكتابة فيه لا يثبت له حكم مدح كالمصحف، ولا حكم ذم القرآن مسيلمة، والتراب قبل أن يبنى مسجداً أو كنيسة، لا يثبت له حكم واحد منهما.
ففي الجملة كل ما كان قابلاً للممدوح والمذموم على السواء، لم يستحق مدحاً ولا ذماً.
والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم؟.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن.
ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم، فكيف تكون فبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟

وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من الناس، من أن المراد: أنهم ولدوا على الفطرة السليمة، التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة - فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإنه صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها، لكن يقال: فهذا الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج؟.
فإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج، أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى، ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجباً للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفاً ومذكراً، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة، كانت المعرفة واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب وإلا فلا، وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك.
ومعلوم أن فيها قبول الإنكار والكفر، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك، وهو التهويد والتنصير والتمجيس.
وحينئذ فلا فرق بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج.
وهذا القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة، وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس، من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال مالا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلاً لكل مولود، وهو المطلوب"

بالله عليكم ما الفرق بين القول الذي وصفه الشيخ بالضعف وبين قول نافي المعارف القبلية بل الشيخ ينكر حتى القول بأن الفطرة مجرد استعداد للقبول بل يراها أمراً وجودياً ولا أدري لماذا أطنب في توضيح الواضحات والعجيب أنهم يتكئون على ابن عبد البر والشيخ تعقبه بكلام متين ولكن يبدو لأنه في مجلدات الدرء الأخيرة لم يهتدوا إليه

وللشيخ نصوص أخرى كثيرة أتركها اختصاراً ولكنني أود التنبيه على بعض الأغلاط والتلبيسات

ولكن خذ منها هذا 

 قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى :"  أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي كُلِّ قِيَاسٍ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ فَتِلْكَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى أَنْ تُعْلَمَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ؛ فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِغَيْرِ قِيَاسٍ. فَنَقُولُ: لَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا تَعْلَمُ لَهُ الْفِطْرَةُ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً بِغَيْرِ قِيَاسٍ إلَّا وَعِلْمُهَا بِالْمُفْرَدَاتِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَقْوَى مِنْ عِلْمِهَا بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ مِثْلَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالْجِسْمُ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ أَقْوَى مِنْ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ كُلِّ اثْنَيْنِ وَهَكَذَا مَا يُفْرَضُ مِنْ الْآحَادِ. فَيُقَالُ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمَ بِالْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ أَوْ الْعِلْمَ بِالْمُقَدَّرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ: أَمَّا الثَّانِي فَفَائِدَتُهُ قَلِيلَةٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا مِنْ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ إلَّا وَحُكْمُهُ بِعِلْمِ تَعَيُّنِهِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى مِنْ الْعِلْمِ بِهِ عَنْ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يَتَحَصَّلُ بِالْقِيَاسِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ؛ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَطْوِيلًا. وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ الْقِيَاسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِأَجْلِ الغالط وَالْمُعَانِدِ فَيُضْرَبُ لَهُ الْمَثَلُ وَتُذْكَرُ الْكُلِّيَّةُ رَدًّا لِغَلَطِهِ وَعِنَادِهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ سَلِيمَ الْفِطْرَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَأَيُّ شَيْئَيْنِ عُلِمَ تَضَادُّهُمَا فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ قَبْلَ اسْتِحْضَارِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ بِأَنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَمَا مِنْ جِسْمٍ مُعَيَّنٍ إلَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ جِسْمٍ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. فَمَا مِنْ مُعَيَّنٍ مَطْلُوبٍ عِلْمُهُ بِهَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ إلَّا وَهُوَ يُعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُعْلَمَ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْعِلْمِ بِهِ إلَيْهَا.

تأمل قوله : تأمل قوله :فَمَا مِنْ مُعَيَّنٍ مَطْلُوبٍ عِلْمُهُ بِهَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ إلَّا وَهُوَ يُعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُعْلَمَ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْعِلْمِ بِهِ إلَيْهَا

فلا الحس ولا غيره محتاج إليه في تقرير هذا الأمر  

أولها : لجوءهم للفلسفة النفعية في تفسير المعارف الضرورية فهم يقولون بأن هذا الشيء كان نافعاً صار قاعدة

وهذا غلط فإن النفعيين أنفسهم مذاهب فمنهم من يقول بالمنفعة الحسية فحسب ومنهم من يقول بالمنفعة الحسية والمعنوية ومنهم من يقول بمنفعة الفرد ومنهم من يقول بمنفعة الجماعة وتقديمها على منفعة الفرد وهم بذلك لا يفصل بينهم إلا الاستدلالات العقلية

زيادة على أن الأبحاث العقلية كثير منها ليس له فائدة حسية حاضرة بل يعتقد شخصان اعتقادين متضادين ويجدان لذلك لذة فبناء عليه يكون اعتقاد كل واحد منهما حقاً

وبالنسبة لليبرالي قوله بالنفعية ينقض عليه انتقاداته على أهل الأديان وقوله بالمساواة المطلقة لأن الحس أساس المنفعة لا يعضد المساواة والمنفعة نسبية فالإضرار بهذا منفعة لذاك ولهذا برر نيتشة الرق بأنه فيه منفعة تفرغ الأذكياء من الرجال للعلوم إذ يكفيهم السوقة الأعمال المهينة وهذا تبرير اليونان

وحتى الشيوعي لا يخرج من هذا إذ يقول بالمساواة التي لا يعضدها البرهان الحسي أو النفعي

والحس نفسه قد يخدع وقد يقصر ويا ليت شعري كيف فرق الناس بين المعجزة وغيرها مع خضوع الكل للحس هو باستدلال عقلي أن مثل هذا لا يأتي به بشر من نفسه وهنا يصير الحس مجرد مرحلة

فإن قيل : نعم هو مرحلة ولكن هو المرحلة الأولى ثم يكون هناك عقل واستنباط وقياس

فيقال : صحة العقل والاستنباط والقياس غير مستند على الحس وأنت ما زدت على أن أزلت القبلية العقلية وجعلت مكانها قبلية حسية والغائية الحسية النفعية هي دور فأنت تقول نحن نعيش لكي نعيش فكل المنافع هي ما يعضد العيش وطول العمر وهذا ليس جواباً ولهذا الأسئلة الوجودية لا يمكن الجواب عليها بسياق نفعي لا مبرر لها أصلاً في هذا السياق

بل لذة الرهبان والصوفية بترك الملذات معضلة للفلسفة النفعية إلا أن تصير اللذة نسبية ونعود إلى سفسطة النسبيين والذين يقفون أمام معضلة أنه لو كان كل شيء نسبي فمن أين جاء مفهوم الحقيقة أصلاً

مجرد البحث عن الحقيقة يقتضي الإيمان بثلاثة أمور الأول: الإيمان بوجود حقيقة .

والثاني: الإيمان بالقدرة على الوصول للحقيقة بحسب الأدوات المتاحة لنا.

الثالث : الإيمان بأن البحث عن الحقيقة فضيلة أو أمر نافع بمعنى أن معرفة الحقيقة لا تضر بل تنفع .

وهذه الثلاثة لا يمكن إثباتها بأي فلسفة مادية أو غير شرعية لأن منها ينطلق البحث فهي نقطة الابتداء وبالتالي محاولة البرهنة عليها يدخلك في الدور والتناقض مع استحالة ذلك بحسب الطريقة المادية العلموية

ولا يمكن التسليم بهذه الثلاثة إلا بالإيمان بالخالق وبمعنى للحياة وبفطرة فطرها الخالق متسامية على المادة

اذا فهمت هذا علمت عبقرية عبارة ابن تيمية : كيف يطلب الدليل عليه وهو الدليل على كل شيء .

والتنبيه الثاني : يتعلق بالربط بين إثبات المعارف القبلية وقول الجهمية لأن الجهمية يريدون أن يثبتوا لله وجوداً لا من جنس وجود المحسوسات وهم ينفون أن يرى الله وأن يسمع

فيقال : الجهمية القائلون بهذا لا ينكرون وجود الحس ولا حجيته ولا الاستدلال بالمعجزات على الرسالات وهو استدلال مبدأه حسي بل هم شبهوا ثم عطلوا فصاروا يقولون لو كان له يد للزم كذا وكذا ولو استوى للزم كذا وكذا

ونحن نقول لهم هذا ثابت لله ولا يشبه المخلوقات فلا يلزم ما تقولون  فنحن جميعاً مقرون بأن الله عز وجل لا يشبه مخلوقاته

ولما قالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه استدل عليهم ابن تيمية وغيره بمبدأ عقلي أن هذا رفع للنقيضين

وحين قالت لهم الكرامية الموجودات _ ولم يقولوا المحسوسات _ إما محايث أو مباين لم يكونوا يقصدون الأجسام المحسوسة فحسب بل كانوا يقصدون حتى المعاني والأفكار فهي تقوم في أجسام أو جواهر _ والجهمية حقيقة قولهم إثبات وجود لله من جنس وجود المعاني _

ثم هذا أصلاً استدلال عقلي ! فقد ذكر الشيخ أنه إما يكون ضرورة _ وهذه الفطرة _ وإما أن يكون حجة قياسية وهذه هي الحجة العقلية

ولم يزل الشيخ في كتاباته يفرق بين الحجة العقلية والحجة الفطرية ومعلوم قصة ( حيرني الهمداني )

والعلماء الأصوليون يفرقون بين الضروري والنظري ويقع البحث في كون قطعية التواتر ضرورية أم نظرية والضرورية يعني الفطرية التي لا تفتقر للاستدلال بل بمجرد حصول السبب يقع هذا المعنى في النفس ولا يمكن دفعه وأما النظرية فهي الاستدلالات العقلية التي تبنى على مقدمات مركبة وبعضها يكون حسياً لا مشكلة ولكن لا بد من حجج عقلية متعالية تنظم الحجج الحسية وتقيس

فلو فرضنا أن من خلال الخبرة عرفنا السببية لا أنها فطرة أو مبدأ عقلي فاعتمادك على السببية من خلال الاستقراء هذا قياس فقست ما رأيته وعرفت سببه على ما لم تره وتعرف سببه وصرت تبحث عن سببه هذا هو قياس عقلي وهو مبدأ عقلي يقتضي إرجاع النظائر إلى بعضها البعض فعدنا إلى المبدأ العقلي أصالة ، وحتى المبدأ النفعي مبني على القياس العقلي ما نفعني في هذا الشيء سينفعني في نظيره  

وأخيراً أجيب على اعتراض على الاستدلال بحديث كل مولود يولد على الفطرة

قال مسلم في صحيحه 6855- [25-...] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ ، عَنِ الْعَلاَءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَأَبَوَاهُ بَعْدُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَمُسْلِمٌ كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا.

زيادة ( فإن كانا مسلمين ) انفرد بها الدراوردي وهو صدوق يهم

قال ابن حجر ملخصاً رتبته في تقريب التهذيب : صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطىء

وقد اجتنب البخاري هذه الزيادة وللحديث طرق عن أبي هريرة ليس فيها هذه الزيادة

فقد رواه عن أبي هريرة جمع

1_ أبو سلمة بن عبد الرحمن

2_ سعيد بن المسيب

3_ أبو صالح السمان

4_ همام بن منبه

وغيرهم وهؤلاء رواياتهم في الصحيحين وليس فيها هذه الزيادة

قال الإمام مسلم في التمييز ص189(( الزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في الحفظ ))
وقال الإمام ابن خزيمة في صحيحه فيما نقله عنه الحافظ في النكت (2/689) ((لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ ، ولكنا نقول : إذا تكافأت الرواة في الحفظ والاتقان فروى حافظ بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته . فإذا تواردت الأخبار ، فزاد وليس مثلهم في الحفظ زيادة لم تكن تلك الزيادة مقبولة ))

ونقل ابن حجر  بعد ذلك عن ابن عبد البر قوله (( إنما تقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبت عنه وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ ، لأنه كأنه حديث آخر مستأنف وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ، ولا متقن ، فإنها لا يلتفت إليها ))
وفي ص (429) من شرح العلل نقل ابن رجب عن الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان وخالفهما الثوري، فلم يذكره قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة. قال ابن رجب: وهذا تصريح بأنه إنما يقبل الزيادة إذا لم يخالفه من هو أحفظ منه.
(( وقال الكوثري في فقه أهل العراق المطبوع مع نصب الراية (1/14) (( ويقول ابن رجب : إن أبا حنيفة يرى أن الثقات إذا اختلفوا في خبر زيادةً أو نقصاً في المتن أو في السند فالزائد مردود إلى الناقص))
وأقره الكوثري على هذا ))
قلت وهذه الشروط غير منطبقة على هذه الزيادة فهي شاذة علماً بأن كلام ابن خزيمة وابن عبد البر منصبٌ على رواية الثقة مطلقاً فما بالك إذا ممن جرب عليه الوهم والخطأ
وكلامهما غاية في التحقيق وأما من يقيس زيادة الثقة على الحديث المستقل فقياسه هذا قياسٌ مع الفارق إذ أن الحديث المستقل لا يلزم منه نسبة الذهول والغفلة للرواة الآخرين بخلاف زيادة الثقة على رواية غيره من الثقات فإنه يلزم منها ذلك
وقال ابن حجر في النكت (2/613) ((والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تقبيل دائماً ، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين ، فلم يصب . وإنما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظاً ولا معنى .
وممن صرح بذلك الإمام فخر الدين وابن الأيباري شارح البرهان وغيرهما وقال ابن السمعاني : (( إذا كان راوي الناقصة لا يغفل أو كانت الدواعي تتوفر على نقلها أو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة وكان المجلس واحداً فالحق أن لا يقبل رواية راوي الزيادة هذا الذي ينبغي . انتهى))

ولماذا خرج مسلم هذه الزيادة ؟

فالجواب أن مسلماً فيه أصول وشواهد وفي الشواهد ربما خرج الزيادات التي لا توجد في الأصول تنبيهاً عليها

ويفعل ذلك في المخالفة أيضاً مثال

قال مسلم في صحيحه 4722- [146-1814] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ (ح) وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، قَالاَ جَمِيعًا : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : غَزَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً ، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ.
وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ : مِنْهُنَّ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.

حسين بن واقد تكلم أحمد في رواية ابن بريدة عنه وروايته هنا أخطأ فيها وقد خرج مسلم بعد روايته الرواية التي تدل على خطئه

قال مسلم في صحيحه 4723- [147-...] وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهْمَسٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.

والأمر نفسه فعله مع حديث من قرأ أول عشر آيات من سورة الكهف

خرج رواية من قرأ آخر عشر آيات من سورة الكهف ثم خرج بعدها الرواية الأولى
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم