مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي: التائبون من ضلالة الرأي وتعليق على مسألة دروان الأرض

التائبون من ضلالة الرأي وتعليق على مسألة دروان الأرض



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

فمن المسائل التي كثر فيها الإشكال والاستشكال مسألة تضليل أهل الرأي الحنفية واعتبارهم مذهباً بدعياً كما طريقة أهل الحديث قديماً

وكثير من الجهلة يحملون هذا الإجماع على أنه تحامل وتحاسد بين أقران وقد بينت بطلان هذا في مقالات عديدة غير أنني سأستخدم هنا طريقة جديدة

وهي ذكر بعض من تاب من ضلالة أهل الرأي وذكره لتبديعهم وتضليلهم

قال السهمي في كتابه تاريخ جرجان 159- أَبُو إسحاق إسماعيل بْن سعيد الشالنجي الكسائي الْجُرْجَانِيّ طبري الأصل صنف كتبا كثيرة منها كِتَاب البيان وغيره وكان أَحْمَد بْن حنبل يكاتبه سمعت أبا أَحْمَد عَبْد اللَّهِ بْن عدي الحافظ يقول سمعت أَحْمَد بْن العباس العدوي يقول سمعت إسماعيل بْن سعيد الكسائي يقول كنت أربعين سنة عَلَى الضلالة فهداني اللَّه وأي رجال فاتتني كان أَبُو إسحاق هذا ينتحل مذهب الرأي ثم هداه اللَّه وكتب الحديث ورأى الحق فِي اتباع سنة رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رد عليهم فِي كِتَاب البيان.
حَدَّثَنَا بذاك الكتاب مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ الغطريفي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن العباس العدوي حَدَّثَنَا إسماعيل بْن سعيد الكسائي كله من أوله إلى آخره وكان من أصحاب مُحَمَّد بْن الْحَسَن صاحب أَبِي حنيفة كل مسألة يحكي عنه ثم يرد عليه

أقول : وهذا إسناد صحيح للشالنجي

وتأمل كيف أن هذا الرجل بقي على مذهب أهل الرأي أربعين عاماً ثم تاب منه ونقضه حرفاً حرفاً وهذا الإمام الشافعي نقض كتاب الشيباني أيضاً

وليعلم أن الشالنجي صار من أصحاب أحمد مع أن أحمد أصغر منه

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (21/511) :" وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشالنجي الَّتِي شَرَحَهَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجوزجاني وَهِيَ مِنْ أَجْلِ الْمَسَائِلِ"

فهل رأيت أحداً يصف مذهب مالك أو الشافعي أو سفيان بالضلالة ؟

لا شك أن أهل الرأي بحيلهم وقواعدهم في رد الأحاديث وأقيستهم الباطلة ومناقضتهم لمقاصد الشريعة هم أهل ضلالة

فإن لب التدين في مخالفة المرء لهوى نفسه في مرضاة الله ، وقد عاكسوا هذا فجاءوا بالحيل الذي هو أشد من تتبع الرخص

لذا اشتد عليهم الناس ورأوهم يهدمون الدين

وأيهم أعلم بمذهب الرأي  ؟ الشالنجي الذي بقي عليه أربعين عاماً ثم نقضه أم عبد الله الجديع الذي يتطاول على أهل العلم الذين تكلموا في أبي حنيفة في كتابه تحرير علوم الحديث ؟

ويقيس مالك على أبي حنيفة

وهذا من أفسد القياس ولو كان قياساً سديداً لما تكلم مالك في أبي حنيفة ولما كلف الناس بأبي حنيفة بالذات

وإليك إفساد هذا القياس من كلام ابن تيمية نفسه

فلابن تيمية رسالة في ترجيح مذهب أهل المدينة على أهل العراق وتقوية مسألة عمل أهل المدينة

يقول ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (20/310) :" وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيَةَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} . وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا} . فَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةٌ وَمَا يُعْلَمُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَلٌ قَدِيمٌ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَ " الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ " إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ جُهِلَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَأَحَدُهُمَا يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ؛ فَفِيهِ نِزَاعٌ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ - أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ وَالثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ - أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِهِ قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد. وَمِنْ كَلَامِهِ قَالَ: إذَا رَأَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ. وَكَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَقْرِيرًا كَثِيرًا وَكَانَ يَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى إسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَنَحْوِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَيَدُلُّهُ عَلَى حَلَقَةِ الْمَدَنِيِّينَ حَلَقَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ. وَأَبُو مُصْعَبٍ هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ مَاتَ بَعْدَ أَحْمَد بِسَنَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَحْمَد يَكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ وَيَقُولُ: إنَّهُمْ اتَّبَعُوا الْآثَارَ. فَهَذِهِ مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي التَّرْجِيحِ لِأَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"

فتأمل نقله لكراهية أحمد أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي ويقول في أهل المدينة هؤلاء يتبعون الأثر

وهذا ما لم يفهمه أجلاف الظاهرية

فمالك إذا دفع الحديث واعتبره منسوخاً لمخالفة عمل أهل المدينة فهذه معارضة أثر بأثر ( فعمل أهل المدينة من الأثر عنده ) وقد ظهر لك في كلام ابن تيمية قوة الشبهة عند مالك في مسألة عمل أهل المدينة

بخلاف أبي حنيفة الذي يدفع الحديث بمخالفة القياس فإن هذه معارضة للأثر بالرأي فالقياس ليس أثراً

ثم إنه من أجهل الناس بالأخبار فكيف يحكم على هذا الخبر بأنه خبر واحد خالف القياس

فحديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) وحديث ( لا نكاح إلا بولي ) دفعوها بأنها أخبار آحادية خالفت القياس وقد ثبت أنها ليست أخبار آحاد ( بالمعنى القديم ) بل رويت من طريق عدة

قال ابن عدي في الكامل حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَد بْن أَبِي يَحْيى سَمِعْتُ أَحْمَد بْن حنبل يقول أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم، ولاَ نكاح إلاَّ بولي أحاديث يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها.

وكلمة أحمد هذه في الرد عليهم على أصولهم

وقال ابن تيمية أيضاً في رسالته المشار إليها (20/329) :" وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ أَوَّلًا لِأَحَادِيثِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدراوردي أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ: تعرقت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيْ: صِرْت فِيهَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ لَكِنَّ النِّصَابَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فَالنِّصَابُ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ. فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ  وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَافِقَهُمْ وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ يَعِيبُونَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا اسْتَفْتَاهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَكَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِرَبِيعَةَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ عَقْلِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَلِيلٌ جِدًّا وَمَا مِنْ عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ابْنُ خويز منداد فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ كُتُبِ الرَّأْيِ وَالْإِجَارَةِ عَلَيْهَا: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ رَأْيِ صَاحِبِنَا مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لَكِنَّهُ أَقَلُّ خَطَأً مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْثَرُهُ نَجِدُ مَالِكًا قَدْ قَالَ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَوَوْا عَنْ مَالِكٍ الرَّفْعَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ"

وهذا من أحسن الكلام في الرد على من يقيس فقه مالك على فقه أبي حنيفة

ويا ليت شعري

أين سخر مالك من السنن ؟

وأين حط على أبي هريرة وقال عنه ليس بفقيه ولا يؤخذ بحديثه إذا خالف القياس ؟

وأين قال مالك بالحيل ؟

والعجيب أن سعداً الشثري في شرحه على عمدة الأحكام ينسب لمالك أنه يقول برد خبر الواحد إذا خالف القياس وهذا غلط عظيم فهذا من مذاهب أهل الرأي وقد رد السمعاني على هذه الفرية في حق مالك

وقال ابن تيمية في رسالته المذكورة كما في المجموع (20/329) :" . وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ"

وهذا تفضيل ظاهر من ابن تيمية لسفيان الثوري على أبي حنيفة وهذا أمر لا يحتاج إلى نقاش عند من علم أحوال السلف غير أن بعض الجهلة يقيسون سفيان على أبي حنيفة

نعم هناك مسائل تتقاطع بينهم بسبب أنهم جميعاً يتبعون أصحاب ابن مسعود في بعضها غير أن سفيان لم يكن صاحب حيل ولا سخرية من الآثار ولا توسع في القياس ، بل لما كان لا يرفع يديه لم يكن ينكر على من يرفع

ولهذا قال ابن تيمية في رسالته المذكورة :" وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ الرَّأْيِ الْمُحْدَثِ بِالْكُوفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بَلْ سُفْيَانُ عِنْدَهُمْ أَمَامُ الْعِرَاقِ فَتَفْضِيلُ أَحْمَد لِمَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى مَذْهَبِ سُفْيَانَ تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي عِلْمِهِ وَعِلْمِ مَالِكٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّ أَحْمَد يُقَدِّمُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ كُلِّهَا وَهُوَ يُعَظِّمُ سُفْيَانَ غَايَةَ التَّعْظِيمِ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعُلَمَائِهَا. وَأَحْمَد كَانَ مُعْتَدِلًا عَالِمًا بِالْأُمُورِ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُحِبُّ الشَّافِعِيَّ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَيَذُبُّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الشَّافِعِيِّ؛ أَوْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى بِدْعَةٍ وَيَذْكُرُ تَعْظِيمَهُ لِلسُّنَّةِ وَاتِّبَاعَهُ لَهَا وَمَعْرِفَتَهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ كَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ وَيُثْبِتُ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَمُنَاظَرَتَهُ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ خَالَفَهُ بِالرَّأْيِ وَغَيْرَهُ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: سَمَّوْنِي بِبَغْدَادَ نَاصِرَ الْحَدِيثِ. وَمَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ وَاجْتِهَادُهُ فِي اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَاجْتِهَادُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا وَهُوَ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكِّيِّينَ أَصْحَابُ ابْنُ جريج كَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ؛ وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ ثُمَّ رَحَلَ إلَى مَالِكٍ وَأَخَذَ عَنْهُ الْمُوَطَّأَ وَكَمَّلَ أُصُولَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَجَلُّ عِلْمًا وَفِقْهًا وَقَدْرًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَهْدِ مَالِكٍ"


وهذه كلمة نفيسة من ابن تيمية في بيان أن الثوري لم ينكر أحد عليه الرأي كما أنكر على أبي حنيفة

وسفيان هذا أعجوبة فإنك ترى مقدماً في الفقه والزهد والورع والحديث

فتجد شعبة بن الحجاج ليس فقيهاً ولا في زهد سفيان ولكنه متفرغ للحديث فإذا الحديث كان سفيان الذي جمع الأمور كلها أثبت من شعبة !

وتجد الفضيل بن عياض زاهداً غير مشتغل بالفقه والحديث اشتغال سفيان فإذا قارنت بين زهد الفضيل وزهد سفيان ظهر فضل سفيان على الفضيل !

وتجد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مشتغل بالفقه وهو ضعيف في الحديث ولا يذكر بكبير زهد فإذا قورن بين فقهه وفقه سفيان ظهر فضل سفيان عليه

وهذا كشأن أحمد ابن حنبل في أهل عصره

ويضاف إلى هذا شدة مجانبة سفيان للسلطان وصدعه بالحق عند السلاطين إن حصل لقاء ، هذا مع بعده عن الفتن والسيف ولو شاء لهيج العامة عليهم

حتى أن جعفراً  المنصور كان يتمنى أن يأتيه سفيان ويضع يده في يده ليعظم في قلوب العامة وحاول أن يغري سفيان مراراً  وسفيان يجانبه ويهرب منه ويؤثر شضف العيش لما يعلمه من ظلم المنصور 

فإذا زدت على هذا شدته على أهل البدع والتي تظهر جلياً في موقفه من أبي حنيفة وإبراهيم بن طهمان والحسن بن صالح ومسعر بن كدام ( وكلهم أجل من أبي حنيفة ) ، ومع هذا فقد روى الحديث عن عمرو بن مرة واحتفى بتفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد فليصفه السفهاء بأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع ! 

وقال العقيلي في الضعفاء   حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُؤَمَّلَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: إِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَى ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ فَقِيلَ لَهُ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ عِنْدِي، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى بِدْعَةٍ.

تأمل قوله ( لأرى الصلاة على من هو دونه عندي )

وأبو حنيفة لا يبلغ مد سفيان في هذا كله ولا نصيفه

ثم يأتي من يصف كلام سفيان في أبي حنيفة على أنه كلام أقران ! وأنه تحاسد

ويا ليت شعري على ماذا يحسده ؟

والعجيب استنكار بعضهم لعبارة ( ما ولد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة ) على سفيان

وقد قالها مالك والأوزاعي وابن عون ، ومالك إمام أهل المدينة والأوزاعي إمام أهل الشام وابن عون إمام أهل البصرة وقد فضلوه على شيخه الحسن

وقد اعترض بعضهم بأنه كيف يقال هذا وقد ولد يهود ونصارى وزنادقة وأهل ضلال عريض

فيقال هذا الاعتراض يعترض على حديث النبي أيضاً ( شر قتلى تحت أديم السماء )

والأئمة يقصدون سوء الأثر على الناس وعظيم الفتنة والمتأمل لتاريخ البدع يجد أن أهل الرأي كانوا الأساس لكثير منها ومن بابهم دخل المتكلمون فعبارة السلف غاية في الدقة

وإننا لفي زمن عجيب حيث لا يتمعر من تبديع الحسن بن صالح وهو رجل مشهور بالفقه والزهد والتثبت في الحديث وبعيد عن الرأي والإرجاء وإنما كان يرى السيف ثم يتمعر من تبديع أبي حنيفة ، والحسن حتى في أمر السيف خيرٌ من أبي حنيفة فلم يكن يرى الخروج مع كل أحد

وعوداً على المقصود


قال المروذي في أخبار الشيوخ [275 ] :
فَقَدِمَ عَلَيْنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهَا فَقَالَ : سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ :
 كُنْتُ صَاحِبَ رَأْيٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ عَمِدْتُ إِلَى كُتُبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا مَا يُوَافِقُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الأَحَادِيثِ، فَبَلَغْتُ نَحْوَ ثَلاثِ مِائَةِ حَدِيثٍ
 فَقُلْتُ : أَسْأَلُ عَنْهَا مَشَايِخَ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يُخَالِفَ أَبَا حَنِيفَةَ.
فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، فَقَالَ لِي : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ : مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، فَتَرَحَّمَ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ مَرْثِيَةٌ رُثِيَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ؟ قُلْتُ : نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُهُ قَوْلَ أَبِي تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنِ وَاضِحٍ الأَنْصَارِيِّ :
طَرَّقَ النَّاعِيَانِ إِذْ نَبَّهَانِي بِقَطِيعٍ مِنْ فَاجِعِ الْحَدْثَانِ
قُلْتُ لِلنَّاعِيَانِ مَنْ تَنْعِيَا؟ قَالا أَبَا عَبْدِ رَبِّنَا الرَّحْمَانِ
فَأَثَارَ الَّذِي أَتَانِي حُزْنِي وَفُؤَادُ الْمُصَابِ ذُو أَحْزَانِ
ثُمَّ فَاضَتْ عَيْنَايَ وَجْدًا وَشَجْوًا بِدُمُوعٍ يُحَادِرُ الْهَطْلانِ
وَذَكَرَ الْقَصِيدَةَ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ : فَمَا زَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَبْكِي، وَأَنَا أُنْشِدُهُ، حَتَّى إِذَا مَا قُلْتُ :
وَبِرَأْيِ النُّعْمَانِ كُنْتَ بَصِيرًا ....
قَالَ لِي : اسْكُتْ، فَقَدْ أَفْسَدْتَ الْقَصِيدَةَ، فَقُلْتُ : إِنَّ بَعْدَ هَذَا أَبْيَاتًا حِسَانًا، فَقَالَ : دَعْهَا، أَتَذْكُرُ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنَاقِبِهِ؟ ! مَا نَعْرِفُ لَهُ زَلَّةً بِأَرْضِ الْعِرَاقِ إِلا رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وَأَنِّي كُنْتُ أَفْتَدِي ذَلِكَ بِمُعْظَمِ مَالِي.
فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَحْمِلُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ كُلَّ هَذَا، أَلَمَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالرَّأْيِ، فَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَسُفْيَانُ، وَالأَوْزَاعِيُّ يَتَكَلَّمُونَ بِالرَّأْيِ؟ ! فَقَالَ : أَتَقْرِنُ أَبَا حَنِيفَةَ إِلَى هَؤُلاءِ ! مَا أَشْبَهَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ إِلا بِنَاقَةٍ شَارِدَةٍ فَارِدَةٍ تَرْعَى فِي وَادٍ جَدْبٍ، وَالإِبِلُ كُلُّهَا تَرْعَى فِي وَادٍ آخَرَ.
قَالَ إِسْحَاقُ : ثُمَّ نَظَرْتُ بَعْدُ فَإِذَا النَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى خِلافٍ مَا كُنَّا عَلَيْهِ بِخُرَاسَانَ.

أقول : هذه قصة صحيحة
وإسحاق من كبار الفقهاء وكان الترمذي وابن المنذر ومتقدمي المصنفين في الفقه لا يخلون كتاباً من اختياراته الفقهية وكان أحمد يثني على فقهه

وكان شديداً على أهل الرأي بعد أن كان منهم فأمر كأمر الشالنجي ومن أراد أن ينظر ردوده على أهل الرأي فلينظر في مسائل الكوسج

قال أبو زرعة الرازي كما في سؤالات البرذعي (2/255) : كان أهل الرأي قد افتتنوا بأبي حنيفة وكنا أحداثا نجري معهم ولقد سألت أبا نعيم عن هذا وأنا أرى أني في عمل ولقد كان الحميدي يقرأ كتاب الرد ويذكر أبا حنيفة وأنا أهم بالوثوب عليه حتى من الله علينا وعرفنا ضلالة القوم.


فتأمل قول أبي رزعة ( وكنا أحداثاً نجري ) فهذا يشبه حال الكثيرين ممن إذا أرادوا تنفيرهم من السلفيين قالوا لهم ( هؤلاء يطعنون في أبي حنيفة )
وأبو رزعة إمام معروف كان على مذهب أهل الرأي ثم شهد عليهم بالضلالة


قال أبو نعيم في الحلية (9/103) : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْخُوَارِزْمِيُّ، نَزِيلُ مَكَّةَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: قَالَ أَبُو ثَوْرٍ:
كُنْتُ أَنَا وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَحُسَيْنُ الْكَرَابِيسِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ مَا تَرَكْنَا بِدْعَتَنَا حَتَّى رَأَيْنَا الشَّافِعِيَّ.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، قَالَ:
لَمَّا وَرَدَ الشَّافِعِيُّ الْعِرَاقَ جَاءَنِي حُسَيْنٌ الْكَرَابِيسِيُّ - وَكَانَ يَخْتَلِفُ مَعِي إِلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
 فَقَالَ: قَدْ وَرَدَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَتَفَقَّهُ، فَقُمْ بِنَا نَسْخَرُ بِهِ.
فَذَهَبْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْحُسَيْنُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَلَمْ يَزَلِ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَظْلِمَ عَلَيْنَا الْبَيْتُ فَتَرَكْنَا بِدْعَتَنَا، وَاتَّبَعْنَاهُ .

وقولهم ( فتركنا بدعتنا ) يدل على المتقرر عندهم في أهل الرأي آنذاك من أنهم من أهل البدع 

وقال الهروي في ذم الكلام  401 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا البَيَّاعُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الدَّقِيقِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ الْوَرَّاقُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَمْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ الْجُنَيْدِ سَمِعْتُ أَبَا ثَوْرِ يَقُولُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيَّ بِالشَّافِعِيِّ لَلَقِيتُ اللَّهَ وَأَنَا ضَالٌ قَدِمَ عَلَيْنَا وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ مَذْهَبِ الرَّأْيِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَضَعَ اللَّهُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَ دِينِهِ مَوْضِعَ الْإِبَانَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَفَرَضَ طَاعَتَهُ فَقَالَ {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} فَلَيْسَ لِمُفْتٍ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِهِمَا وَلَا يُخَالِفُهُمَا وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ عَاصٍ وَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا مَنْصُوصَيْنِ فَالِاجْتِهَادُ أَنْ يَطْلُبَهُمَا

فبعد هذا من يزعم أن الأمر حسد ومنافسة جاهل مخالف للفريقين فكلهم رآه ديناً ، وليعلم أن أهل الحديث قبل الشافعي كانوا يستسخفون بدعة الرأي ويردون عليها بكلام عام جامع ، لأن الناس كانوا حدثاء عهد بالتابعين ومسالكهم في الفقه حتى لما طال الأمد نشأ في هذه البدعة جماعة من الأعاجم في خراسان وغيرها وغرهم شقاشق أهل الرأي حتى صاروا يهزأون بأهل الحديث لما يرون من كثرة الكلام والتفريع عند أهل الرأي ، وهذا يشبه حال المفتونين بعلم الكلام ممن يحفظ بعض العبارات الصعبة وينظر في شقاشق المتكلمين فيظن أنهم قد بلغوا المبلغ ويسخر من أهل الحديث لأنهم يعبرون بعبارات وجيزة سهلة فهم سائرون على منهاج الأنبياء الذين بعثهم الله بما تقبله عامة الفطر والعقول
فلما نشأ نشيء في هذه الضلالة محض الشافعي الأمر وبين لهم أن الأمر محض جعجعة وعامتها تناقضات ودعاوى متهافتة وأطال في الرد ما لم يطل غيره حتى أنه جالس الشيباني كثيراً في التناظر وكان له في ذلك قصد حسن مع أن الشيباني كان يقول كلاماً قبيحاً في بعض المناظرات

ومع هذا كان الشافعي بعيداً كل البعد عن أمر الكلام ويتقيه بشدة

وأمر ضلالة أهل الرأي لا ينقضي عجبي من تمعر الناس من ذكره مع كونه متقرراً في عامة تصانيف السلف ، وقد عجبت ممن يحتج بأن البخاري أورد في ترجمة جابر الجعفي جرح أبي حنيفة له ، زاعماً أن أبا حنيفة من أئمة الجرح والتعديل عند البخاري وتناسى ما قاله البخاري نفسه في ترجمة أبي حنيفة في التاريخ وما قاله في جزء رفع اليدين وتتبعه لأبي حنيفة في الصحيح حتى تذمر الحنفية من ذلك

قال الزيلعي في نصب الراية (1/356) :"  وَالْبُخَارِيُّ كَثِيرُ التَّتَبُّعِ لِمَا يَرُدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ السُّنَّةِ، فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ يُعَرِّضُ بِذِكْرِهِ، فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَذَا وَكَذَا، يُشِيرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَيُشَنِّعُ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يُخْلِي كِتَابَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: بَابُ الصَّلَاةِ مِنْ الْإِيمَانِ، ثُمَّ يَسُوقُ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَيَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؟"

وفي هذا العصر ثمة عدة مسائل من أعجب المسائل في تعامل الناس معها مع ظهورها وكثرة أدلتها

الأولى : ضلالة أهل الرأي

الثانية : كون الأشاعرة جهمية ينطبق عليهم ما قاله السلف في الجهمية من التكفير ، وأن هذا التكفير لا ينبغي أن يتذمر منه في مذهب من يفرق بين الإطلاق والتعيين

الثالثة : كون أهل الحديث يستأنسون بالحديث المحتمل إذا وافق الأحاديث الصحيحة ومقاصد الشريعة ولا يعاملون الموقوف كمعاملة المرفوع وهذا ظاهر في تصانيفهم في عامة العلوم فجاء القوم اليوم وقاسوا الضعيف على المنكر والباطل واطرحوا كل هذا

وكون أهل الحديث لهم منهج دقيق في العلل ولا يتوسعون في التقوية بالطرق وأنه يستحيل ألا يوجد مرفوع صحيح في الكتب المشهورة ونجده في الأجزاء المتأخرة والتواريخ والمعاجم وكتب الغرائب

وهذا المسلكان لأهل الحديث اكثر من مخالفتهما الألباني وأشاع ذلك شيوعاً عظيماً أثر على كثير من الشباب

الرابعة : كون السلف قبلوا عامة الأخبار التي يطرحها المتأخرون بحجة أنها إسرائيليات بل العجيب أن الأمر وصل إلى أخبار صحت عن علي كقصة هاروت وماروت وأخبار صحت عن ابن مسعود كقصة داود مع ذاك الرجل


القول بأن المقصود بالنعجة الزوجة قد صح عن ابن مسعود وابن عباس وابن مسعود لا يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل.

قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبد الله ما زاد داود على أن قال أكفلنيها أي انزل لي عنها.

عن الثوري عن عبدالرحمن بن عبد الله عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما زاد داود على أن قال أكفلنيها أي تحول لي عنها.

وهذا التفسير يبطل الروايات التي تدعي أن داود سعى في قتل الرجل ، أو أكاذيب اليهود الخبيثة في أنه زنا بالمرأة فنسبة هذا للنبي كفر أكبر ، وقد ورد عن جماعة من السلف أن داود ما تزوجها أو ما دخل بها بل اعتزل النساء جميعاً بعد عتاب ربه له وبقي يبكي على خطيئته بعد أن كتبها على يده وهذا أشبه بأحوال الأنبياء، فلا يحملنا أن كذب كاذب أن نكذب بالحق، وهذه الآثار يغلب على الظن أن مرجعها النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا شبه اليقين فمن ردها فهو على خطر عظيم

والعجيب أن أبا الحسن الأموي وهو أشعري ينزه الأنبياء حتى عن الصغائر قبل هذا التفسير

فقال في كتابه تنزيه الأنبياء :" فَأَما قولة دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام {أكفلنيها} فَهَذَا بِمَعْنى أنزل لي عَنْهَا بِطَلَاق وأتزوجها بعْدك وَهَذَا من القَوْل الْمَأْذُون فِي فعله وَتَركه ومباح أَن يَقُول الرجل لِأَخِيهِ أَو صديقه انْزِلْ لي عَن زَوجك بإضمار إِن شِئْت وَهَذَا بِمَثَابَة من يَقُول لصَاحبه أَو أَخِيه بِعْ مني أمتك إِن شِئْت وَهَذَا قَول مُبَاح لَيْسَ بمحظور فِي الشَّرْع وَلَا مَكْرُوه وَمن ادّعى حظره أَو كَرَاهَته فِي الشَّرْع فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَلَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ كَيفَ وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما واخى بَين سعد بن الرّبيع وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ لَهُ الْأنْصَارِيّ لي كَذَا وَكَذَا من المَال أشاطرك فِيهِ ولي زوجان أنزل لَك عَن إِحْدَاهمَا فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بَارك الله لَك فِي أهلك وَمَالك أَرِنِي طَرِيق السُّوق
وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث قَوْله بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنزل لَك عَن إِحْدَاهمَا فأقره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على هَذَا القَوْل وَلم يُنكره عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يقر على مُنكر وَهُوَ الْمعلم الْأَكْبَر صلوَات الله عَلَيْهِ وتسليمه فَلم يبْق إِلَّا الْإِبَاحَة لَكِن تَركهَا بِمَعْنى الأولى والأحرى فِي كَمَال منصب النُّبُوَّة كَانَ أولى وَأتم
وَأما قَوْله {وعزني فِي الْخطاب} أَي غلبني فَنزلت لَهُ عَنْهَا فَهُوَ غلب الحشمة لَا غلب الْقَهْر لعظم منزلَة السَّائِل فِي قلب المسؤول وَلَا غلب الْحس بالقهر الْمنْهِي عَنهُ فَإِنَّهُ ظلم مَنْهِيّ عَنهُ شرعا تتحاشى عَنهُ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام كَمَا تقدم
فَإِن قيل كَانَ دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام خَليفَة وَصَاحب سيف وَالْمَطْلُوب مِنْهُ رعية وَمن شَأْن الرّعية هَيْبَة الْمُلُوك والمبادرة لقَضَاء حوائجهم لكَوْنهم قاهرين لَهُم فيقضون حوائجهم باللين خوفًا من العنف وَالْإِكْرَاه وَفِي سُؤال دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام حمل على المسؤول من هَذَا الْبَاب
قُلْنَا صَحِيح مَا اعترضت بِهِ إِلَّا أَن هَذَا الْحمل على المسؤول لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِيمَن عهد مِنْهُ الظُّلم وَالْغَصْب من الْأُمَرَاء وَأما من عهد نه الْعدْل وَالْإِحْسَان كخلفاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان فَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي حَقهم إِذا منعُوا الْمُبَاحَات وَإِذا لم يتَصَوَّر ذَلِك فِي حَقهم مَعَ عدم الْعِصْمَة فَمَا ظَنك بالمعصومين المنزهين عَن الْخَطَايَا تَنْزِيه الْوُجُوب كَمَا تقدم فَبَطل اعْتِرَاض هَذِه القولة فِي حق دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام فِي هَذَا الْبَاب"

والعجيب أنه قبل تفسير ( وألقينا على كرسيه جسداً ) الثابت عن السلف والذي دفعه غير واحد من المعاصرين منهم الألباني في الصحيحة وجميل زينو في رده السعدي وقبل حتى المناكير والله المستعان

والمراد أنه لا يعقل أن يجهل السلف خطورة هذه الآثار في هاروت وماروت وخطيئة داود وتفسير ( وألقينا على كرسيه جسدا) وكون إبليس من الملائكة ويتواردوا عليها

ويتفطن لذلك المعاصر أو المتأخر

هذا غاية الحط على السلف

واعجب أن الطوفي على ما عنده من بلايا قبل قصة الغرانيق ووجها توجيهاً سليماً

قال الطوفي في الانتصارات الإسلامية :" أما قصة إلقاء الشيطان على لسانه. ما ذكر في سورة النجم فقد استفاض نقلها بين الأمة، ورواها الثقات «1» ويدل على صحتها ما رواه
البخاري  والترمذي وصححه  عن عكرمة عن ابن عباس قال:" سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سورة النجم فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس".
قلت: فسجود المشركين كان السبب المذكور / لأنهم ظنوا أنه قد وافقهم بمدحه آلهتهم وصار الدين واحدا، أو أنهم سجدوا لآلهتهم إعظاما لما سمعوا من مدحها.
وأما الجن فلعلهم جاءوا يستمعون القرآن كما حكى عنهم فيه.
ولا محذور في هذه القضية بوجه من الوجوه لأن الأنبياء في الحقيقة بشر يجري عليهم الخطأ والنسيان ويتطرق عليهم الشيطان.
وقد اختلف العلماء في أنهم معصومون من المعاصي مطلقا أو من الكبائر فقط أو منها عمدا أو من الصغائر كذلك؟ وجوز بعض الناس عليهم الكفر بناء على أن مطلق المعصية جائز عليهم/ وهو كفر في خلاف كبير ، لكن اتفقوا على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي بحيث لا يلحقهم فيه خطأ وإن لحقهم فيه خطأ بسهو منهم أو تلبيس من شيطان إنسي أو جني نبهوا عليه، ولم يقروا عليه، وهكذا جرى في هذه القصة وأخبر الله أنه يحكم آياته وينسخ ما يلقي الشيطان.
وأما تشنيعه/ بقوله:" حاشى لله ومعاذ الله أن يتسلط الشيطان على الأنبياء بمثل هذا" فلعمري أن هذا ليس غيرة منه على الأنبياء ولا تعظيما لهم. فإن اضطرابه في هذا الكتاب بين الفلسفة والشرع يدل على أنه محلول الرابطة بالكلية أو مذبذب لا إلى هذا ولا إلى هذا. ولكن عنادا للإسلام كما قيل:
وما من حبه يحنو عليه ولكن بغض قوم آخرينا
ولعمري إن منصب الأنبياء محفوظ، ولكن هذا أمر جائز عليهم عقلا وشرعا، ولسنا نعطيهم ما ليس لهم ولا هم يرضون بذلك ولهذا قال نبينا صلّى الله عليه وسلّم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم»  يعني حيث اتخذوه إلها، ولكل أحد رتبة لا يتجاوزها فرفعه عنها إفراط ووضعه عنها تفريط.
أما جواز ذلك عليهم عقلا فلأنه لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره.
وأما جوازه شرعا فثبت في شرعنا: أن إبليس سلط على آدم فأخرجه من الجنة  وما ذكر في التوراة من أن الحية أغوته لا ينافي ذلك. لأن إبليس دخل في فم الحية إلى الجنة فأغواه"

الخامسة : كثرة الشذوذات والمخالفة لإجماعات السلف في الفقهيات

فعدة إجماعات نقلت على نجاسة الدم ونجاسة الخمر( وهذا الإجماع مختلف في نقله )  وحرمة دباغ جلد الخنزير ووجوب زكاة عروض التجارة ونقض الصيام من الاستمناء وغيرها من المسائل كثير

فلا يعقل أن يكون السلف ضلوا وجهلوا في كل هذه المسائل وخالفوا الأصل بلا بينة

فإذا جمعت هذه الأمور إلى بعضها رأيت ديناً جديداً غير ما كان عليه الأوائل

والعجب أنه مع هذا التعالي على السلف نجد تصديقاً عجيباً لخرافات التجريبيين فمن ذلك قول الألباني أن دوران الأرض حول الشمس حقيقة لا يشك فيها

والواقع أنه عند التجريبيين أنفسهم هذه المسألة ليست حقيقة قطعية ، والمسألة نظرية قابلة للدحض وهي إلى الآن محل نقاش

وقد كتب المهندس عادل العشري كتاباً كاملاً في بيان أن الأرض ثابتة بحسب القواعد التجريبية وما تمكن أحد من نقضه

وكتب الطيار نادر الجنيد عدة أسئلة أوردها على القائلين بدوران الأرض وحقق ثبوتها تجريبياً

وكتب عيد ورداني كتاب أسماه من العرش على الفرش وأثبت بالتجريب ثبات الأرض

وكتب المهندس طارق محمد شوقي كتاباً أسماه (ألآرض مركز الكون وليست أحد الكواكب والشمس مركز المنظومة الشمسية تدور حولها)

وهو كتاب قوي في بابه

وكتب الدكتور محمد الطويرقي كتاباً في ثبات الأرض

هذا غير الباحثين الأجانب وقد اعترف هوكنغ أنه لا يوجد دليل على دوران الأرض حول الشمس

وهناك كتاب ( لماذا حركوا الأرض )؟

وقد قال عادل العشري :" أن النظرية التى قال بها كوبر نيك القائلة بعكس نظرية ثبات ألارض ,تبدأ بفرضيات من دوران ألارض حول نفسها الى دوران ألارض حول الشمس
حركة دوران الارض حول نفسها لتبرير ظهور البقعة الشمسية طول العام
الاختلاف للمناظر النجمية التى لا قيام لنظرية كوبر نيك ان تقوم إلابها,وقال انها عجز للنظرية.
أى رصد لحركة النجوم الثوابت وافترضوا ان لها ابعاد سحيقة وهائلة لا تكفى لرصد هذه الحركة
نقد المدار الاهليجى
نقد زاوية الميل وألاشعة التى تسقط من تلك الكتلة الهائلة عموديا
نقد ظاهرة الفصول الاربعة والفرضيات المعتمدة التى لا شواهد عليها.
بإختصار
نقد السرعات الغير قائمة على تجارب"

واليوم توجد رابطة للقائلين بمركزية الأرض وقد ذهبت إليهم وسألتهم عدة أسئلة في الموضوع وبينوا لي تناقض القائلين بدوران الأرض حول الشمس وأنه يمكن تفسير الظواهر الكونية في ظل ثبات الأرض

وإليك بحث النقولات عن أقوام يقولون بدوران الأرض حول الشمس يؤكدون أنها نظرية غير قطعية

يقول الدكتور عدنان محمد فقيه(في بحث مقدم للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة) : "يجب أن نقرر أولاً أن مسألة دوران الأرض حول الشمس مما اتفق عليه العلماء الكونيين منذ قرون مضت غير أن هذا الاتفاق لا يعود إلى حقيقة مشاهدة أو واقع ملموس بل يرجع إلى دقة الحسابات الناشئة من افتراض أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس.

يقول الفيزيائي المعاصر بول ديفس (من كبار علماء الفيزياء الفلكية في القرن الواحد والعشرين) :"واليوم لا يشك عالم في كون الشمس مركز المجموعة الشمسية وأن الأرض هي التي تدور وليس السماء" ،
ولكنه يستدرك قائلاً أنه لن نتمكن أبداً من التأكد من صحة هذا التصور مهما بدا دقيقاً "فليس لنا أن نستبعد كلياً أن صورة أكثر دقة قد تُكتشف في المستقبل". والحقيقة أننا لا نحتاج أن ننتظر اكتشاف تصور آخر لحركة النظام الشمسي حتى نتمكن من القول أن النظام الحالي والذي يفترض مركزية الشمس ودوران الأرض حولها هو مجرد افتراض رياضي لا يصور الحقيقة، بل إن العلم يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إن السؤال عمّا إذا كان هذا التصور حقيقاً أو غير ذلك ليس بذي معنى في لغة العلم. فالحركة - والتي هي أساس المسألة التي نتحدث عنها - كمية نسبية. فإن قلت أن الأرض تتحرك فلا بد أن تنسبها إلى شيء ما حتى يصبح قولك معقولاً، فلو تصورنا كوناً فارغاً لا حدود له، ولا يوجد به سوى جرم واحد، فلن نستطيع حينئذ أن نقول أن هذا الجرم ساكن أو متحرك، إذ لا بد أن ننسبه إلى مرجع لكي نقول إنه متحرك بسرعة كذا بالنسبة إلى هذا المرجع، أو إنه ساكن بالنسبة له. ومنذ أن ألغت النسبية الخاصة فكرة الأثير والذي كان يمثل الوسط الساكن والمطلق الذي تتحرك فيه الأجرام السماوية أصبح قولنا إن الأرض تدور حول الشمس مجرد افتراض وجدنا أنه يفيدنا من الناحية العملية أكثر من الافتراض المعاكس، بل إنه حتى في زمن كوبرنكس نفسه "فقد دافع مناصروه عنه أمام الكنيسة بأن النموذج الذي قدمه كان مجرد تحسين رياضي مفيد لتحديد أماكن الكواكب في المجموعة الشمسية وليس تمثيلاً حقيقيا لواقع العالم". لكن الإضافة التي جاءت بها النسبية هي أنها جعلت من قضية مركزية الشمس أو مركزية الأرض مسألة اعتبارية بالضرورة، إذ إن كل شيء في هذا الكون يتحرك بالنسبة لكل شيء فيه ولا يوجد سكون مطلق أو حركة مطلقة كما أوضح ذلك الرياضي والفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراند رسل. وخلاصة القول كما يعبر عنه الفيلسوف الإنجليزي-الأمريكي والترستيس إنه "ليس من الأصوب أن تقول أن الشمس تظل ساكنة وأن الأرض تدور من حولها من أن تقول العكس. غير أن كوبرنكس برهن على أنه من الأبسط رياضياً أن نقول أن الشمس هي المركز ... ومن ثم فلو أراد شخص في يومنا الراهن أن يكون "شاذاً" ويقول إنه لا يزال يؤمن بأن الشمس تدور حول أرض ساكنة فلن يكون هناك من يستطيع أن يثبت أنه على خطأ". أ.هـ.

 محمد فريد وجدي أيضا في كتابه المشهور ( الإسلام في عصر العلم) المطبوع سنة 1350 هـ صفحة – 137 - من الجزء الثاني ما نصه: الأدلة على دوران الأرض حول الشمس غير حاصلة على صفة الأدلة المحسوسة حتى لا يمكن الخوض فيها كمسألة كرويتها، ولذلك ترى نفرا من العلماء الرياضيين لا يزالون يتشككون في ذلك ويشككون غيرهم،
كتب المسيو درمون في جريدة ( ليبربارول) الباريسية في 9 يناير الماضي يقول: لم يقم الدليل للآن على صحة دوران الأرض كما كان يزعم جاليليه ( هو ناشر تعاليم كوبرنيك ) ولا على أنها مركز العلم الشمسي، وهذا المسيو ( بوانكاريه) أكبر علماء الهندسة والطبيعة الفرنساويين لم يجزم للآن بدوران الأرض لأنه يقول: يقولن إن الأرض تدور، وأنا لا أرى مانعا من دورانها فإن فرض دورانها سهل القبول ويمكن به فهم كيفية تكون ونمو الدنياوات، ولكنه فرض لا يمكن إثباته ولا نفيه بالأدلة المحسوسة، هذا الفضاء المطلق أي الحيز الذي يلزم نسبة الأرض إليه للتحقق من دورانها أو عدم دورانها ليس له وجود في ذاته، من هنا ترى أن قولهم الأرض دائرة لا معنى له البتة لأنه ليس في وسع أية تجربة إثباته لنا بالحس، هاتان الجملتان: ( الأرض دائرة ) والأسهل فر أن الأرض دائرة لا تعنيان إلا شيئا واحدا، ولا تمتاز إحداهما عن الأخرى في معنى جديد،
وجاء في جريدة ( اكلير )الفرنساوية في 17 فبراير الماضي تحت إمضاء بعض الكاتبين قوله: ليس من المحقق الثابت أن الأرض دائرة ومع ذلك فهذه نظرية شائعة ذائعة، وعقيدة علمية كبرى لا يحسبون لها سقوطا، هذا وأنك ترى أن نظرية الجاذبية العامة قد عادت لمجال المناقشة، وأن قوانين ( كلير ) اشتهرت بكونها فروضا ظنية ليس إلا، يريد الكاتب أن يقول : إذا كانت نظرية الجاذبية العامة وقوانين ( كلير ) تعتبر فروضا قابلة للبحث فلم لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لنظرية دوران الأرض،.....
ثم نقل الكاتب الشهير محمد فريد وجدي عمن سماه بالأستاذ الفلكي الطائر الصيت الذي يعد أول رياضي الآن في البلاد الفرنسية كلاما مسهبا في الرد على القول بدوران الأرض قال في آخره صفحة – 141 – ما نصه : ومن هنا ترى أن تأكيدهم أن الأرض تدور لا معنى له لأنه لا يوجد ما يثبته بالتجربة. انتهى، ثم قال العلامة محمد فريد وجدي بعد هذا ما نصه: يرى أيضا من تضارب هذه الأفكار بين أكبر علماء الأرض أن أمر دوران الأرض غير حاصل على ما يجعله من العلوم البديهية فإن مثل العلامة ( بوانكاريه ) لم يكن يتجاسر على مثل هذا القول، وهو أكبر رياضي فرنسي اليوم إن لم نقل أكبر رياضي فلكي في العالم إذا لم يكن على ثقة تامة مما يقول وعلى بينة مما يرمي إليه، ولو كان المعلمون في أثناء تدريسهم للعلوم الطبيعية يسلكون مسلك العلماء في الإقرار بالجهل فيرون تلاميذتهم وجه الضعف في المعلومات الطبيعيةلأدوا لتلامذتهم أكبر خدمة لأنهم بهذا يعودونهم على الأدب النفسي فتنشا نفوسهم معتادة على التواضع أمام فخامة الكون وجلالته والسجود أمام مبدعه ومصوره،، ولكن أكثرهم يدرسون لهم العلوم المشكوك فيها والفروض الطبيعية الظنية بصفة حقائق ثابتة فيتذرع بها أولئك التلامذة الأغرار متى كبروا إلى الإلحاد ونفي الروح والخلود ولا يدرون انهم يتمسكون بالظنون، وأن الظن لا يغني من الحق شيئا. انتهى كلام  محمد فريد وجدي " _ مسنفاد من أحد الأخوة _

وقد ظهر الآن فريق من العلماء يعرفون بـ (Neo-geocentric scientists) أو "العلماء الجدد للنموذج الأرضي " و يؤيدون بأدلتهم النموذج الأرضي القائل بثبات الأرض ودوران الشمس. ولذلك لم يجرؤ العلماء على الإجماع بثبوت النموذج الشمسي بطريق الحس والمشاهدة وإن كان لديهم قرائن ليست بأفضل من استحسانهم الرياضي للنموذج. ومع كونه رياضياً فإنهم لم يجعلوا الحساب فيصلاً يقينياً لأن جمهورهم متفقون على أنه لا يلزم من صحة النتيجة الرياضية مطابقتها للحقيقة الفيزيائية الخارجية من كل وجه ، وقد اشتغل الفيزيائي ستيفن هوكنغ ردحاً من الزمن بتفسير ما أسماه الثقوب السوداء بالاعتماد على الرياضيات والمعادلات حتى اغتر هو وكثير من العلماء – فضلاً عن عوام الناس - وكادوا يقطعون بوجود هذه الثقوب لولا أن هذا العالم أعلن قبل عدة أشهر أنه لم يتوصل إلى نتيجة مرضية وأنه لا يوجد ما يمكن الاعتماد عليه للقطع بوجود هذه الظاهرة سوى التخمينات الرياضية

ولأبين للقاريء كيف يتم اعتماد نظرية علمياً أقول :  الذي لاحظته أن النظريات السائدة المشهورة في عدد من العلوم والتي يعاملها العوام على أنها حقائق مطلقة تم اختيارها بناءً على اعتبارات عديدة ومهما أوردت عليها من اعتراضات ومهما كانت قوية فلا يمكن أن يغير المجتمع العلمي وجهة نظره أو يرحب بك كوجهة نظر مقبولة

وسيبقى العوام يسخرون منك

وستجد المؤسسات الرسمية والجامعات تدفع في نحرك فما السبب مما يشاهد من ضعف المرونة تجاه أي نقد موجه لنظريات سائدة يعترف في خبايا الزوايا أنها ليست الحقيقة المطلقة

السبب من وجهة نظري ( وقد يضاف له أسباب أخرى ) ، أن العلم التجريبي يعيش عصوره الذهبية اليوم وأن التجريبيين صاروا يحظون بتكريم لم يسبق أن حظي به التجريبيون في أي عصر من العصور السابقة

من الأفكار الملهمة التي اتصلت بالعلم التجريبي المعاصر أنه قادر على أن يجيب على جميع الأسئلة عاجلاً أم آجلاً ، أو أنه قادر على تجاوز حدود الحواس والاستنباط البدائي أو العميق المعتمد عليها

فالنظرية لكي تكون مقبولة في المجتمعات العلمية لا بد أن تجيب على أكبر عدد ممكن من أسئلة وتجعل ذلك في قانون منتظم ثم يقدم بعد ذلك قرائن أو أدلة لتأييد هذه النظرية فساعتئذ تكون مقبولة في المجتمع العلمي وإن وجد فيها فجوات وتقرر في المدارس والجامعات ومع استمرار ذلك يبدأ عامة الناس في التعامل معها على أنها حقيقة مطلقة لا تقبل التشكيك

فإذا جاء شخص وبدأ بالاعتراض على هذه النظرية وأظهر عيوباً في أدلتها أو اتساقها فالمجتمع العلمي لن يقبل اعتراضك ويتخلى عن هذه النظرية حتى تعطيه بديلاً ولا بد أن يكون هذا البديل يغطي المساحة نفسها التي غطتها النظرية السابقة لكي لا يزول عنفوان العلم ولا تقل ثقة الناس به مما يحطم الإلهام الذي يحرك الكثير من التجريبيين

باختصار هم يفضلون أن توضع إجابة خاطئة باسم العلم أو مشكوك بها على أن تكون خانة الجواب فارغة أو متروكة لاعتقادات الناس الدينية

ولو طبقنا هذا على الأمر الذي نبحثه ستعلم أن إقرارهم بأن الشمس تدور حول الأرض سيقتضي كون ظهور الأرض آية من الآيات لا تخضع لقوانينهم وهذا لا ما يحبذونه

إذا علمت تعلم سفه وسيم يوسف فيما غرده وتعلم جهل الساخرين وجهل المتعنتين الذين حرفوا كتاب الله ليناسب نظريات غير مثبتة والواقع أنه لم يفهم أحد في تاريخ الأمة دوران الأرض من القرآن إلا في عصرنا هذا

قال ابن حزم في كتابه الفصل (2/80) :" وَأَن الشَّمْس أَيْضا فِي السَّمَاء ثمَّ قد قَامَ الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ الْمشَاهد بالعيان على دورانها حول الأَرْض من مشرق إِلَى مغرب ثمَّ من مغرب إِلَى مشرق فَلَو كَانَ على مَا يظنّ أهل الْجَهْل لكَانَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِذْ دَارا بِالْأَرْضِ وصارا فِيمَا يُقَابل صفحة الأَرْض الَّتِي لسنا عَلَيْهَا قد خرجا عَن السَّمَاء"

ولو كان هناك ثمة برهان ظاهر في القرآن على عكس هذا لما خفي على ابن حزم

وقد نقل عبد القاهر بن طاهر البغدادي التميمي المتوفى 429هـ في كتابه (الفرق بين الفرق) في بيان أوصاف الفرقة الناجية في الباب الخامس في الفصل الثالث الركن الثاني في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة ص 330 طبعة دار المعرفة بيروت – لبنان، نقل الإجماع على ثبوت الأرض فقال: “وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها، وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تهوي أبداً ولو كانت كذلك لوجب ألا يلحق الحجرُ الذي نلقيه من أيدينا أبداً، لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره”

وعبد القاهر رجل أشعري ولا يوثق بإجماعاته كثيراً ولكن لا يشك أن هذا قول الجمهور إن لم يكن قول الكل

 والمعاصرين محمد بن يوسف المالكي التونسي في كتابه الأجوبة الشامية وهو رجل أشعري المعتقد كتب كتابه هذا رداً تأثر محمد عبده بنظرية دارون ونظرية كوبرنكس وقد اشتد حتى كفر المخالف في هذه المسألة

ومنهم أيضاً الشيخ عبد الله الدويش في كتابه زوائد مسائل الجاهلية

حيث قال وهو يعدد خصال الجاهلية :" 201 - القول بدوران الأرض، كقول بعض الفلاسفة فأتى الشرع بالأدلة على ثبوتها.
202- القول بثبوت الشمس، فرده الله بقوله {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} الآية"

ومنهم الشيخ حمود التويجري حيث قال في كتابه غربة الإسلام :" فكيف لو رأى حال الأكثرين في أواخر القرن الرابع عشر، فقد تغيرت فيه الأحوال وانعكست الأمور، وظهر الكفر والنفاق، حتى كان بعض ذلك يُدرس في المدارس ويعتنى به، فالله المستعان.
فمن ذلك ما فشا في زماننا؛ من موافقة طواغيت الإفرنج، وزنادقة المنجمين ونحوهم، وتقليدهم فيما ذهبوا إليه من التخرصات، والظنون الكاذبة المخالفة للقرآن والأحاديث الصحيحة؛ كقولهم: إن الشمس قارة ساكنة لا تزول عن مكانها، وإن الأرض هي التي تجري وتدور حول الشمس، وشبهوا ذلك براكب القطار ونحوه من المراكب السريعة يرى في حال سيرها كأن الذي حوله من المباني والشجر يسير، وكأن ما تحته من المركوب واقف، والحال بالعكس، قالوا: فهكذا الأرض مع الشمس، فالشمس قارة لا تزول، والأرض هي التي تجري، ولها دورتان، دورة في كل يوم وليلة، ودورة في كل سنة، هكذا افتروا وزعموا، وهي دسيسة خبيثة من دسائس أعداء الله ورسوله والمؤمنين، قد جعلوها حبالة يصيدون بها خفافيش الأبصار من غوغاء المسلمين وجُهَّالهم، ويحملونهم بذلك على تكذيب القرآن والأحاديث الصحيحة، حتى ينسلخوا من دين الإسلام بالكلية ويصيروا كفارا مثلهم، وقد قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} الآية [النساء: 89]، وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 100 - 101]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]، ففي هؤلاء الآيات الكريمات أبلغ تحذير للمؤمنين من طاعة الكفار والمنافقين، وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم، فإنهم لا يألون المسلمين خبالا، وودوا ما عنَّتهم، وأزلَّهم عن الحق، وأضلهم عن الصراط السوي والهدى، وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمسلمين في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم، قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101]، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء»، قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: صدق والله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. رواه ابن ماجة.
وعن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه.
ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما عند المسلمين من العلوم الشرعية النافعة المستفادة من الكتاب والسنة، بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، فأبعده الله ولا كفاه، والمقصود ههنا التحذير من دسيسة أعداء الله التي قد سرت في جميع الأقطار الإسلامية على أيدي الكفار والمنافقين، وقبلها الجماهير تلو الجماهير من الأغبياء الغافلين الذين لا يسمعون ولا يعقلون، {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}"

إلى أن قال :" وقد ثبت أيضا بالدليل العقلي أن الأرض قارة ساكنة لا تدور، ولا تفارق موضعها أبدا، وذلك بما يسره الله تعالى في زماننا من وجود المراكب الجوية التي تخترق الهواء في جميع أرجاء الأرض، فإن سيرها من المشرق إلى المغرب مثل سيرها من المغرب إلى المشرق، وكذلك سيرها من الجنوب إلى الشمال مثل سيرها من الشمال إلى الجنوب، كل ذلك لا يختلف، ولو كان الأمر على ما يزعمه الجغرافيون لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء، ثم امسكها وقتا يسيرا حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها، وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبدا؛ لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها، هذا على حد زعمهم، وكذلك الذين في الجنوب والشمال لابد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها، فلا يهتدون إلى موضع قصدوه، ولما كانت هذه التقديرات منتفية، وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقاربا بعضه بعضا؛ دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة، فقاتل الله زنادقة الجغرافيين الذين خالفوا النقل والعقل جميعا"

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (25/195) :" وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِمَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالتَّصَانِيفِ الْكِبَارِ فِي فُنُونِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السَّمَاءَ عَلَى مِثَالِ الْكَرَّةِ وَأَنَّهَا تَدُورُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ كَدَوْرَةِ الْكُرَةِ عَلَى قُطْبَيْنِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالْآخَرُ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ جَمِيعَهَا تَدُورُ مِنْ الْمَشْرِقِ تَقَعُ قَلِيلًا عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ فِي حَرَكَاتِهَا وَمَقَادِيرِ أَجْزَائِهَا إلَى أَنْ تَتَوَسَّطَ السَّمَاءَ ثُمَّ تَنْحَدِرُ عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ. كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي كُرَةٍ تُدِيرُهَا جَمِيعَهَا دَوْرًا وَاحِدًا. قَالَ: وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِهَا مِنْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلُ الْكُرَةِ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لَا يُوجَدُ طُلُوعُهَا وَغُرُوبُهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ عَلَى الْمَشْرِقِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ. قَالَ: فَكُرَةُ الْأَرْضِ مُثَبَّتَةٌ فِي وَسَطِ كَرَّةِ السَّمَاءِ كَالنُّقْطَةِ فِي الدَّائِرَةِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جُرْمَ كُلِّ كَوْكَبٍ يُرَى فِي جَمِيعِ نَوَاحِي السَّمَاءَ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" تأمل قوله ( فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء )

و العلم التجريبي الصحيح لا يتناقض مع النقل الصحيح وكذلك العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح واتفاق الأوائل على ثبات الأرض أقوى بكثير من دلالة العلم التجريبي على دورانها فالاحتياط للدين القول بثباتها وقد ثبت عندنا صحة الدين بشكل قطعي

وبهذا تعلم سفه عدنان إبراهيم في هذه المسألة أيضاً

ومن أعاجيب عدنان أنه أنكر ختان الإناث وزعم أنه يؤذي الفتاة فرأيت بحثاً لدكتور يعيش في أمريكا اسمه سيد السقا يرد على عدنان ويذكر أن هناك مجمعات طبية صارت توصي بالختان بعد ثبوت فائدته

ومن عجائب الاعجازيين استخراجهم الثقوب السوداء من القرآن ثم بعد ذلك تراجع هوكنغ صاحب هذه النظرية عنها !

فما أقبح معارضة بالشرع القطعي بأخبار الكفار الظنية ، وما أقبح تحريف الشرع ليستقيم مع الظنيات المشكوك بها
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

. .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب | تركيب وتطوير عبد الله بن سليمان التميمي